Menu

لو لم يحدث 14 حزيران؟!

أحداث 2007

محمود عمر

لو قرأت المقاومة الفلسطينيّة قصيدة "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة"، وتحلّت بروح "الوحدة الوطنيّة" لظلّت مطاردةً تعمل تحت مراقبة مضاعفة، ولتوقفت قدراتها العسكريّة والإعلاميّة عند حدود البندقيّة - هذا إذا لم يجرِ العمل على محوها تمامًا من الوجود.

الموضوع أكبر من المناكفات، أو إحراز النقاط، أو تمجيد فصيل بعينه. فلنكن واضحين مع أنفسنا: تمكّنت المقاومة الفلسطينيّة في غزّة من أن تتطوّر إلى الشكل الذي نراها عليه اليوم بعد أن قام الفصيل الأكبر فيها، في منتصف العام 2007، بتوجيه ضربة عسكريّة قاصمة لسلطة أوسلو وطرد أجهزة الأمن الوقائيّ والمخابرات وحرس الرئيس من غزّة.

هذا هو تاريخ مدينتنا الذي يجب أن ننظر في عينيه إذا كنّا نريد فعلاً أن نقول شيئًا يتحلّى بالمصداقيّة والاتّساق. ولنتذكر هنا، ونضع يدنا، على واحدة من خصائص المشاريع المقاومة في كلّ مكان: عندما تقوم المقاومة، أي مقاومة في أي مكان، بإحراز إنجازات، سيشعر الجميع (الجميع الذي قد يضم من هم منتمون وجوديًا لخيار المقاومة، وآخرون يحرّكهم الأدرينالين أو الخوف) بأنّ لهم الحقّ في مشاركة هذا الإنجاز والتفاخر به.

ولكن، عندما تقوم المقاومة بـ"أعمال قذرة" لازمة فنحن ننكفي إلى تفوّقنا الأخلاقيّ المتوهَّم ولا نعرض أن نتحمّل جزءً من المسؤوليّة. وفي الواقع، إنّ أخلاقيّة المقاومة تحتّم عليها أن تتقبّل هذه التضحية. شاهدنا ذلك مع حزب الله عامي 2000 و2006: كان أمينه العام يهدي النصر إلى كلّ اللبنانيين - مع أنّ قطاعًا واسعًا من اللبنانين كان يتآمر عليه ويتمنّى له الهزيمة.

إنّ التذكير بوجود منظومة قهر وإخضاع فلسطينيّة داخليّة اسمها السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة أكثر أهميّة، وقت العدوان، منه في وقت الهدوء. والتذكير هذا لا يجب أن يكون لتمجيد حماس، بل من أجلنا نحن، كبشر، من أجل أن نعرف من الذي وافق أن يقمعنا ويحبسنا ويقتلنا بأوامر صريحة من العدو.

وإذا كانت صور محمّد الضيف المنتشر قد التقطتها له جهاز الأمن الوقائي في واحد من اعتقالاته الكثيرة، واذا كان الشهيد رائد العطّار قد حُكم بالإعدام، والأسير حسن سلامة سلّمه جبريل الرجوب إلى إسرائيل، فلهذه الأفعال امتداداتها على كافة الفصائل الأخرى: هل نسينا صور خلية الجبهة الشعبيّة التي اغتالت زئيفي تقف في واحدة من محاكم السلطة؟

كما أنّ الوعي بكلّ تاريخ السلطة الأسود أهمّ من أن نتركه لفصيل معيّن. فالسياسة لها تفضيلاتها الخاصّة: اليوم جلس رئيس المكتب السياسيّ لحماس مع الرئيس محمود عبّاس في قطر - جلس مع الرجل الذي قال مرارًا أنّه لن يوقف التنسيق الأمني ولن يسمح بانتفاضة.

وإذا كان مشعل يضطر إلى هذا الفعل، كما ستضطر المقاومة في شقّها السياسيّ للتعايش مع المعسكر الذي لا يريد إطلاق النّار على إسرائيل، لأسباب منها أنّ حربنا الأهليّة الصغيرة في غزّة في العام 2007 عابها أنّها، للأسف، لم تجر أيضًا في الضفّة، فهذا لا يلزمنا كأفراد، ويجب ألّا يتسلل إلى عقولنا أو يُفسد قدرتنا على الفهم والتحليل - ولا على انتقاد تجليّات المقاومة السياسيّة.

هناك من لا يريدون للشعب الفلسطينيّ أن يقاوم إسرائيل أو أن يتجرّأ على تخيّل هزيمتها في رأسه. وهناك أيضًا، وهذا لا يقلّ وقاحة، من لا يريدون لهذا الشعب أن يسمّي قاتليه وسجّانيه.

إنّ أقلّ القليل الذي بإستطاعتنا نحن الذين نؤمن بمشروع المقاومة على طول الخط ولا ننتمي تنظيميًا لفصائلها ولا نعرف كيف نزرع عبوة أرضيّة ولم نشارك في ضرب الصواريخ هو أن نشير لقتلة المقاومة وسجّانيها على اختلافهم، ونسمّيهم بأسمائهم. لا من أجل المقاومة فحسب - بل ومن أجلنا نحن، أيضًا، لأنّ القتل والسجن والتشريد سيشملنا لا محالة.