Menu

الطفل وغواية عدّ النجوم

النجوم

نور الدين العايدي

عندما كنت طفلًا لم أتورط في غواية عدِّ النجوم. أنا مجنون ولكن ليس لدرجة أن أعدَّها؛ كنت فقط أسمح لعيونيَ أن تتعلق بعباءة الليل البائس المطرزة بالثقوب، أتأمل، ألوِّنُ لوحة السواد، وأسرح بشفتين منفرجتين قليلًا وخيالٍ خطرٍ وجميل، هذه ببساطةٍ علاقتي مع السماء والليل. ولكن ومنذ الخامسة غرقت في غواية أخرى، الغواية أن نغرق، وأنا ورغم كوني ابن مدينة ساحلية لا أعرف السباحة أو النجاة، كان ذلك من البحر أو من الغواية. منذ الخامسة، وفي كل مرة أركب وسيلة مواصلات، أحتل المكان المجاور للزجاج، ألصق وجهي مرارًا به، أتنفس وأكتب اسمي على بخار الماء المتكثف على الزجاج، وثم أبدأ العدَّ. أعدُّ السيارات والمارة والأشجار والأعمدة الكهربائية والقطط وأعد أنفاسي ربما، أعدُّ كل شيءٍ ولا أملُّ من البداية من جديدٍ في كل مرة تتسرب الأرقام من بين أصابعي كرملِ شاطئٍ لا يمكن عدُّه، لم أمل، أرقامي لم تكن كثيرة، كنت أعد إلى المئة فقط، لكنني أعيد تلك المئة عشرات المرات، أعدُّ أعدُّ إلى أن يلفظ الطريق أنفاسه، أعد في خيالي بينما تزداد عيوني اتساعًا، تريد أن تسحب كل شيء إلى الداخل، هل كانت عيونيَّ ثقبًا أسودًا في يومٍ من الأيام؟ لا أعلم تمامًا، ولكنها تتسع، تتملكها الرغبة الغامضة بسحب الأشياء لداخلها، أكيد؛ عيونيَ خططت طويلًا لاحتلال العالم دون أن أعلم!
واليوم، وأنا في العشرين وأيام، وفي الطريق بين المدن الهادئة والمدن المكتظة، تذكرت غوايتي أو ربما هربت وحدها من سجن خلفية المشهد، لقد عددت كل شيء، ليس مهمًا الرقم الذي وصلته، أنا الآن حتى لا أذكره، فقط أذكر تلك الفرحة التي تسلقت وجهي كالدالية في حديقة منزلنا، كانت جميلة وكنت أنتظرها. أنا في الحقيقة أشكر الطريق إلى المدن المكتظة على ذلك، لقد أعطاني تلك الفرحة ثانيةً رغم أن تلك الطرقات كعادتها كانت تطعنني بتوحش الإكتظاظ والسستم، بس معلش، أنا مرتاح، على الأقل لقد تأكدت، أنا لست في العشرين تمامًا، أنا في الخامسة، في الخامسة وعدة طرقٍ ومدن!