Menu
أوريدو

فشل المشروع الأخواني عبر تركيا

علي جرادات

أسقطت تركيا أردوغان شرط «فك حصار قطاع غزة»، وأبرمت اتفاق إعادة علاقاتها مع «إسرائيل». ففي معرض إبراز جوهر هذا الاتفاق، وبما لا يترك مجالاً للتأويل أو الشك، أعلن رئيس حكومة الأخيرة، نتنياهو: «الاتفاق يُبقي الطوق الأمني البحري المفروض على قطاع غزة على حاله، ويسمح بالتعامل مع القضايا الإنسانية في قطاع غزة بشكل يتماشى مع مصالحنا الأمنية». وأضاف: «لنا مصلحة كبيرة في تحسين خدمات المياه والكهرباء في قطاع غزة. هناك دول أخرى، منها النرويج ودول عربية، تقدم المساعدة في هذا المجال، وتركيا أيضاً تستطيع أن تساعد فيه». وأضاف: «تركيا التزمت بمنع أي نشاط إرهابي أو عسكري من قبل حركة حماس ضدنا من الأراضي التركية، بما في ذلك جمع الأموال لهذا الغرض». 

لا مفاجأة، هنا، فتركيا أردوغان لم تلعب، يوماً، دور حامي حمى القضية الفلسطينية، لا عموماً، ولا حتى بجانبها المتعلق بقطاع غزة، بل لعبت بورقة سلطة «حماس» في القطاع المحاصر، (مثلما لعبت بورقة سلطة «الإخوان المسلمين» في مصر قبل سقوطها وبعد سقوطها)، لمنازعة مصر، وزيادة نفوذها في المنطقة العربية والسيطرة عليها، ولتحقيق هدف أن تصبح ثاني دولة إقليمية مُعتمدة، (بعد «إسرائيل»)، في المنطقة من قبل واشنطن، خصوصاً، ودول حلف الناتو، وهي العضو فيه، عموماً.

وحسب نتنياهو، أيضاً، فإن «الاتفاق يُلزم تركيا بمساعدتنا على الانضمام إلى جميع المنظمات الدولية التي هي عضوة فيها. وبناء على هذا سحبت تركيا رفضها لفتح مكتب لنا في مقر الناتو». 

هنا، إذاً كانت تلك هي حدود وأهداف اهتمام تركيا أردوغان بالقضية الفلسطينية، وبقطاع غزة تحديداً، ذلك حتى قبل أن يُدخلها حزبها الحاكم في مجموعة أزمات داخلية وخارجية، فبداهة أن تفعل هذه الأزمات فعلها، حيث جعلت تركيا في موقع الطرف الضعيف، و«إسرائيل» في موقع الطرف القوي القادر على إملاء شروطه، سواء في موضوع حصار قطاع غزة، أو في بقية مواضيع التفاوض. فعدا عن التأكيد على العلاقات التركية «الإسرائيلية» الأمنية والعسكرية التي لم تنقطع، والتأكيد على وقف الملاحقة القانونية للجنود والقادة في الجيش «الإسرائيلي» الذين ارتكبوا جريمة مقتل عشرة مواطنين أتراك، فإن الاتفاق، حسبما أعلن نتنياهو، «يفتح المجال للتعاون في قضايا الاقتصاد والطاقة، بما في ذلك مجال الغاز الطبيعي المهم للغاية لتعزيز اقتصادنا ولضخ أموال طائلة لخزينة الدولة، وحقل لفتيان يستطيع أن يوفر الغاز للسوق التركي، ويمكن إمداد أوروبا بالغاز عبر تركيا وهذه مصلحة استراتيجية بالنسبة لنا».

عليه، كان من الطبيعي لدرجة البداهة أن يحظى الاتفاق بموافقة واشنطن وغيرها من حلفاء «إسرائيل»، كما أعلن رئيس حكومتها بالقول: «لقد توصلنا إلى اتفاق يحمل أهمية استراتيجية لأمننا ولاقتصادنا، وقد تحدثت مع وزير الخارجية الأمريكي كيري، ومع نائب الرئيس الأمريكي بايدن، ومع رئيس الوزراء الإيطالي رينتزي، وجميعهم رحَّبوا بهذا الاتفاق، وهم يعتقدون أنه سيعزز كثيراً دولة «إسرائيل» «ووضعها الإقليمي».

هذا يعني أن هنالك تحولاً في سياسة نظام أردوغان الخارجية من التعامل مع الأزمات بالجملة، (كمن يطلق النار في كل الاتجاهات)، إلى تعامل مع كل أزمة على حدة وضمن شروطها، بما يفضي إلى جملة تنازلات حسب ما تتطلبه كل أزمة، وبداهة أن تكون أخف التنازلات بالنسبة له مع «إسرائيل»، بحسبان أن مشكلته معها غير فعلية، عدا عن أن علاقاته الأمنية العسكرية معها لم تنقطع أصلاً. وهذا يعني أن أردوغان إنما يحني رأسه بعدما أدخل تركيا في معارك سياسية وعسكرية وأمنية لم تكن تركيا وشعبها بحاجة إليها.

لقد فشلت محاولة جماعة الإخوان «أخونة» المنطقة عبر مصر، بينما فشل حزب أردوغان في استعادة المشروع «الإخواني» انطلاقاً من تركيا، الأمر الذي يضع علامة استفهام كبرى حول مشروع «الإخوان» وكل قوى «الإسلام الحزبي» التي خرجت من عباءتها. 

قصارى القول: لقد أثبت اتفاق تركيا مع «إسرائيل» أن سياسة أردوغان ليست خارج حسابات السياسة الأمريكية لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وأنها سياسة ثابتة الحرص على عضوية تركيا الطورانية في حلف الناتو، وأنها سياسة مركَّبَة على طموحات عثمانية جديدة تلهب روح «الأخونة».