Menu
أوريدو

بوش وبلير والحرب الملفقة

د.فايز رشيد

الجيش العراقي الجديد بنته أمريكا (بعد تدمير العراق) على أسس المعادلة الطائفية. أمريكا هي السبب الرئيسي والأساسي في إيصال بلد عريق ممتدة جذوره في أعماق التاريخ، بلد الحضارة والكفاءات الكثيرة، بلد الثروات ومن أهمها النفط، إلى هذا الوضع الاحترابي الداخلي، بعد أن كان جيشه واحداً من أقوى الجيوش العربية، وهذا ما لا يلائم لا الولايات المتحدة ولا حليفها الصهيوني. ألم يعد بوش بإعادة العراق إلى العصر الحجري؟ فبركوا قضية امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، كوسيلة لتدميره! ألم يعترف بوش بأنه خُدع (هو كذّاب، لأنه كان يعرف الحقيقة) من مخابراته، ويدّعي أنها أيضا خدعته؟ ألم يعترف كولن باول بفبركة صور، لإثبات أن في العراق أسلحة دمار شامل؟ بعد تدمير العراق قال القذافي في أحد مؤتمرات القمة العربية «الدور قادم على دولنا»، وها هو أوباما يعترف بخطأ إدارته في قصف ليبيا . «نعيماً»! هم دمّروا ويدمّرون الدول العربية لتفتيتها إلى دويلات، وهذا مشروع الصهيوني برنارد لويس، تقدّم به إلى مجلس الشيوخ الأمريكي ووافق عليه في عام 1978، ولم يتم التركيز إعلامياً على عملية التصويت بالطبع.

سبع سنوات من تحقيقات لجنة تشيلكوت حول اجتياح الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق عام 2003 أوضحت، أنها كانت خطّة مبيتة، ذلك أن بلير كان قد وعد الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، قبل ثمانية شهور من إعلان الحرب بالوقوف معه «مهما كانت الظروف»، وفي سبيل ذلك قام بتزييف الأدلّة لإثبات أن العراق كان يشكّل تهديداً مباشراً لبريطانيا، فقام مسؤوله الإعلامي بالمساهمة في كتابة تقرير للمخابرات البريطانية،التي يدّعي فيه، أن لندن يمكن أن تتعرض للهجوم في ظرف 45 دقيقة، وأعيدت صياغة مشورة المدّعي العام، الذي رفض في البداية إعطاء ضوء أخضر قانونياً لشن الحرب، وعمل مساعدوه على إقناع الأمم المتحدة، بأكاذيبه للسماح بإعطاء إذن أممي يشرّع الحرب، وفي النهاية فقد التزم بأجندة رئيس بلد آخر. لقد خان بلير ثقة الشعب البريطاني الذي انتخبه، وخرج ما يقارب المليون منهم محاولين منع الحرب. انتهك بلير بهذا القرار القوانين الأساسية، التي ترتبط بعمله كرئيس وزراء منتخب، وإذا لم يكن قد دفع ثمن هذه الخطيئة السياسية الكبرى حتى الآن، فإن العالم ما زال يدفع فاتورة الخراب الكبير ومئات آلاف القتلى والجرحى وملايين النازحين.

لقد دفع العراقيون وما زالوا يدفعون الثمن الباهظ لتلك الحرب المدمرّة على العراق، والتي جلبت وتجلب الكوارث لشعبنا العراقي العظيم، الذي نشر قواته في فلسطين قبيل قيام الكيان الصهيوني، وانتشر في الجولان عام 1973 دفاعاً عن دمشق. نعم، بدأوا الاعتراف في أمريكا وبريطانيا، بأن الحرب على العراق، كانت أحد أسباب نشوء «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية المتطرفة. لقد أدت الحرب على العراق (وبشكل مقصود) إلى نمو الطائفية في الوطن العربي، وتغذيتها لتتخذ مظهر الصراع الرئيسي في المنطقة على حساب الصراع الأساسي المُفترض فيها، وهو مع العدو الصهيوني. لقد ساهمت حرب العراق في خسائر كبيرة للاقتصاد الأمريكي نفسه، قدّرت بأكثر من تريليون دولار، وهو ما كان له دوره في فترة الركود الاقتصادي التي تبعت الحرب. كرر بلير ما سبق أن قاله بوش الابن إن العالم صار أفضل بعد انهيار النظام العراقي السابق، لكن الحقيقة أن الوضع العالمي أصبح أسوأ بكثير! خذوا ما يجري في سوريا و اليمن وليبيا وفي صحراء سيناء، وخذوا الهجمات الإرهابية ل «داعش» في العراق والسعودية والأردن وباريس وبروكسل وأمريكا ذاتها!.

على ذمة صحيفة «ذي ميرور» البريطانية، التي نشرت منذ أسبوع بضع رسائل وجهها بلير لبوش، تناولت جوانب مهمة من المشاورات بينهما. وأبرز ما جاء فيها أن بلير كان يحضّر لعمل عسكري في العراق بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر على أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي تعرضت لها مدينتا واشنطن ونيويورك، وأسفرت عن استهداف مقر وزارة الدفاع (البنتاغون) وتدمير برجي مركز التجارة العالمي، ومقتل أكثر من 3 آلاف شخص. كما كشفت أن بلير أعرب عن دعمه لبوش قبل ثمانية شهور من بدء الغزو الأمريكي للعراق. وقال، إن العراق يمثّل تهديداً، بسبب أنه «يمتلك قدرات أسلحة دمار شامل»، معترفاً بأن علاقة ذلك الأمر بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول «ضعيفة»، وأن معظم الدول ستكون مترددة في دعم الحرب. واقترح ما أسماه ب «تليين» موقف الرأي العام، عبر توجيه التركيز على خروق العراق لقرارات الأمم المتحدة، والمطالبة بإعادة مفتشي الأسلحة الدوليين. ودعا إلى استراتيجية تدريجية لإسقاط النظام، «حتى نتمكن(هو وبوش) من الوصول إلى نقطة، يكون فيها الخيار العسكري أمراً ممكناً». وتمثلت خطة بلير في دعم سري للمعارضة العراقية، ومن ثم «وبعد بدء المعارضة لنشاطاتها، سنقوم بدعمها عسكرياً».

وأشار بلير إلى أن الحيلة الفُضلى هي «أن نحاول إقناع الآخرين بأن الرئيس العراقي غير متعاون بشكل كامل مع لجنة التفتيش؛ لذا فإن الغزو على العراق في مارس/آذار سيكون ضرورة ملحة، ومبرراً!». كما إيجاد وسيلة لإعادة التركيز على مسألة الخروقات المستمرة للعراق، بطريقة «نكسب» من خلالها تأييد الرأي العام والمترددين في مجلس الأمن. أليس هذا التصرف من جانب بوش وبلير أشبه بتصرف قطّاع الطرق؟ إنهما كذابان، مزوران، فبماذا يختلفان عن اللصوص؟ هم يخططون وينفذون، وأمتنا وشعوبنا تدفع الثمن، من دماء أبنائها ومن ثرواتها ومن وحدة نسيج مكونات شعوبها.