Menu
أوريدو

الصراع بين الفكرة الافتراضية والواقعية!

حاتم استانبولي

4000 سنة عمر الفكرة الافتراضية (الغيبية) تقريبا! أخذت أشكال وتعابير مختلفة والمفروض ان تتراجع مع تطور المعرفة ووسائلها وتقدمها.

ولكن هذا الانتقال الجماعي من موقع الفكر العلمي إلى الفكر الغيبي (الافتراضي) هو السمة العامة! المجتمعات المتقدمة هي التي لا تعطي الفكرة الغيبية حيزا في الثقافة العامة، وإنما جعلتها فكرة اختيارية فردية، توصلت لهذا الفهم بعد ان قدمت الكثير من التضحيات في سياق الصراع التاريخي بين الفكرة الافتراضية والفكرة الواقعية! الفكرة الغيبية إذا اصبحت هي الناظم والمعيار فإن الصراع على تطبيقاتها الملموسة يؤدي إلى الفوضى والتطرف ويصبح التعارض والذي يصل (أحياناً) للتناقض التناحري سقفاً يحكمهم أي (ناظماً)، ويحرف جوهر الصراع وخاصة في الجانب الاجتماعي والاقتصادي من صراع من أجل تحسين ظروف الحياة، إلى صراع على صحة تطبيق النص الغيبي. وبحكم أن الصراع لا يخرج عن التفسير اللغوي أي صراع حول تفسير النص أو المقولة أو الكلمات وفصلها عن سياقها التاريخي، وأخذها كنص لإسقاطه على الواقع الملموس، فإن داعش (وأخواتها) وفكرها هو الذي ينتصر في معركة النص اللغوي. وللأسف فإن الكثيرين من الذين كانوا يحملون ناصية الفكرة العلمية نراهم ينجرفون في هذا التيار الافتراضي، ويدخلون في الصراع حول النص وإسقاطه على الواقع، وفي هذا يدخلون في دوامة النص واللغة والظرف التاريخي.

إن أخطر ما نواجهه هو انتقاء النص وإخراجه من سياقه التاريخي وإسقاطه على الواقع الملموس دون إدراك للمتغيرات التاريخية، واعتباره الناظم والمعيار لتقييم الخطأ والصواب، وإضفاء طابع القدس ية عليه بحيث يفقد إمكانية حواره أو تطوره، وتنتقل هذه القدسية لحاملي النص وتكتسب تفسيراتهم طابع القدسية، وتنعكس في أفعالهم الملموسة ويصبح النقد الذي يطالهم هو نقد للذات الإلهية، وبما أن النص بالنهاية سيعبّر عنه في سلوك ملموس، فإن السلوك سيتعارض مع التطور الإنساني، وهنا الفارق بين ما نشاهده من سلوك لداعش واخواتها، فتفسيره هو تحول النص الغيبي إلى سلوك ملموس، ان النص من الممكن ان يتحوّل في أية لحظة تاريخية إلى ملموس إذا ما تمكنت الفئة الحاملة للنص من امتلاك القوة المادية, وأبرز مثال على ذلك هو الحركة الوهابية التي أخرجت النص الديني من سياقه التاريخي ووضعته كناظم ومعيار للقوانين الإنسانية وأعطت لنفسها الحق الإلهي في المحاسبة، وأخضعت المجتمع لسلطتها وسلطانها واستثمرت في هذه الفكرة خارج حدودها الإقليمية عبر نشر الفكر الوهابي واستعملته كغطاء لتبرير دعمها للفئات الأكثر تطرفاً في الدول الإسلامية، الكثيرين يعتقدون أن الالتزام في النص فقط يقتصر على الجانب اللغوي هو اعتقاد خاطئ.

وسيرى أصحاب هذه الفكرة كيف ينتقلون من موقع الفكرة العلمية الواقعية، إلى الفكرة الافتراضية الغيبية وتنعكس في سلوكهم الملموس، من حيث الشكل أولاً للوصول إلى الجوهر.

إن فكرة داعش وأخواتها هي في جوهر النص الافتراضي الغيبي، بغض النظر عن شكلها أو لونها أو خلفيتها المعرفية، وأي محاولة تجري لتجميل الصورة هي محاولة بائسة تعيد إنتاج السلوك بصورة أكثر تطرفاً.

أن أي تفسير للسلوك النقدي لقدسية النص على أنه تصادم مع المجتمع إنما يعبر عن مفهوم مهادن للفكرة الافتراضية (الغيبية) ويساهم في إعادة انتهاجها وتعميمها، وبما أن إنتاجها يأتي من خلال عزل النص عن ظرفه التاريخي من حيث أسبابه والظروف المحيطة التي أوجبته، فإنه يأخذ شكلاً عبثياً متطرفاً خارج السياق التاريخي، فالتدقيق في جوهر الفكرة الافتراضية، والتي أخذت عدة مسميات تجدها واحدة، وبالتالي فإن الفكرة الداعشية وأخواتها موجودة في جوهر النص، وأخذت تعبيراتها الملموسة في أماكن متعددة من خلال أدوات مختلفة للفكرة الافتراضية.

فحرق عائلة الدوابشة والتفنن في حرق الطفل الفلسطيني أبو خضير والرقص بالسكاكين في عرس يهودي على نغمات الجرائم المختلفة هي ذاتها التي نراها من قتل وتقطيع للرؤوس وتفجير للعراقيين من المذاهب المختلفة وتهجير المسيحيين، وقطع الرؤوس وأكل القلوب والأكباد في سوريا وحرق الأحياء كما حدث للطيار الكساسبة، وقطع الرؤوس لمخالفي الرأي والمذهب كما حدث للطفل عبد الله عيسى. أما صراعهم في المجتمع فيكون على قاعدة تعميم الفكرة الافتراضية وفرضها كمنهج ونط حياة للبشر بغض النظر عن معتقدهم ووضعهم أمام خيارين أما الالتزام بالفكرة أو الهروب أو القتل، فهم في ذلك يكونون قد تصادموا مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة ويصبح شكل وطابع الدولة القائم عائق أمام تطبيق فكرتهم الغيبية.

وهم ينظرون لفكرة الوطن والوطنية من خلال نظرتهم لدور المكان في حيز الفكرة الغيبية، لقد استطاع حاملي الفكرة الافتراضية من خلق ثقافة عامة تحول النضال الوطني التحرري إلى (نضال) من أجل سيادة الفكرة الافتراضية (الغيبية)، وخفضت سقف الصراع من صراع على القضايا الوطنية إلى صراع من أجل إعادة إنتاج الفكرة الافتراضية، ودخلت في صراع بين أجنحة الفكرة الافتراضية وأشكالها المختلفة إن كانت طائفية أو مذهبية، وأية تصريحات تحمل الطابع الإلغائي العنصري التي تصدر عن نتنياهو تجد لها صدى في الرقة والموصل وأصوات تناصرها في عواصم عديدة.