Menu

في يومهم..

صوتُ الأسرى يصدحُ عبر الهـدف.. بين الظلم المُـدقع و التلهّف لـ"صفقـة تبادل"

أرشيف

الهدف_ غزة_ يوسف حمّاد:

يتضوّر نحو 5.000 أسير فلسطيني حرّيةً، في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ينزفون أعمارهم في غياهب المُعتقلات، يوماً بعد يوم، محاصرين بقضبانٍ وجدرانٍ وأبواب حديديّة وأسلاكٍ شائكة و بعشرات السجّانين والحرّاس المُجنّدين لقمعهم و التّنكيل بهم، وسط أرضٍ محتّلةٍ من كلّ حدبٍ وصوب.

وجعٌ متفاقم في ظلّ تواطؤ المجتمع الدولي أو بالأحرى تخاذله، وتنكره لما يُعليه من نظريات وقيم إنسانيّة "حبيسة المؤتمرات والمحافل الدّولية".

تجد الكون كلّه يقوم ولا يقعد، إذا ما اختفى أو خُطف جنديٌ إسرائيلي واحدٌ، حتى وإن كان يتبع للمؤسسة العسكرية وعلى ظهر دبابتها، فتتسابق دول العالم إلى الاستنكار والإدانة والشجب، في حين تخرس اصواتها وتُصم آذانها عندما يتعلق الأمر بخطف آلاف الفلسطينيين بموجب قوانين الاعتقال "العنصرية" التي ورثتها إسرائيل من حقب الانتداب البريطاني، الذي تسبّب بنكبة ونكسة وضياع الفلسطينيين بإهدائه أرضاً "لا علاقة له بها" لـ "إسرائيل".

قانون عفى عنه الزمن، لا حاكم ولا ضابط له، تستخدمه سلطات الاحتلال ضد أهالي البلاد الفلسطينية لتزج بمن تشاء منهم في سجونها، دونما تهمة أو محاكمة، فبجرة قلم يستطيع أقل الضباط الإسرائيليين رتبةً، أن يحول أي فلسطيني إلى الاعتقال الإداري لمدة ستة شهور، تظل تُجدد إلى أن تصل 12 عاماً على أبعد تقدير تحت مسميات الأمن والسرّية.

يُقدر عدد من اعتقلتهم دولة الاحتلال على أساس "الاعتقال الإداري" خلال نصف قرن، قرابة 50.000 فلسطينياً، في حين يصل عدد الذين اعتقلوا وفق قوانين وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي ما يربوا على 800.000 فلسطينيا، منذ احتلال أراضي فلسطينية عام 1976.

في المقابل لا يجد المعتقل سلاحاً لمواجهة السّجان، غير أمعائه الخاوية والإضراب عن الطعام، ليمتشقه بين الحين والآخر، ولفترات زمنية قياسيّة في معركةٍ تستهدف نيل الحقوق الإنسانية المسلوبة، لا من سلطات الاحتلال، بل من المجتمع الدولي صاحب مصطلحات العدل والإنسانية، وسط سوادٍ ورُعب يغشى حياة ذويهم، في شتّى سفوح الوطن المُنقسم، خوفاً على مصيرهم.

فتجد حال الأسرى الفلسطينيين، لا يختلف عن معتقل "أوشفيتز'' النّازي في بولندا، زمن العقود الغابرة، كما يشبهه نادي الأسير الفلسطيني.

بدأ الأسير الفلسطيني "رامز"، والذي فضل ذكر اسمه الأول خشيةً من تعقب هاتفه من قبل سلطة المُعتقل الاسرائيلي، وتعرضه لظروف أكثر قسوة من التي يحياها في السجن، بدأ حديثه للهدف، بالقول "نحن هنا في سجن "عسقلان" قرب قطاع غزة.

رامز، 31 عاماً، أُتّهم بمهاجمة "إسرائيل" والتسبب بتعرض مواطنيها للأذى وفق لائحة الاتهام التي يقضي بسببها، حكماً بالسجن 12 عاماً، و يقول: "نحن نعيش أوقاتاً عصيبة بصورة عامة، و تمرّ على الأسرى أوقاتٌ، يعيشون خلالها بنفسية مدمرة تماماً، لولا التكاتف مع بعضهم داخل المعتقلات (..) ربما أقسى ما قد يمر به أسير فلسطيني، هو العزل الانفرادي الذي يدخله ميتاً ويخرجه حياً، بذكريات لا تخطر على بال، لأن الاحتلال يحاول بقوة أن مسح العقلية الوطنية لدى المعتقل الفلسطيني، فهو يدرك حقيقتها الراسخة والتي سُجن لأجلها".
وحول الاعتقال الإداري يقول رامز، وهو من سكان وسط القطاع "عندما تتحدث عن الاعتقال الإداري، يجب أن تكون ذا عقلية ونفسية قوية وراسخة، لأنك تُزج في السجن دون محاكمة ولا تهمة معلنة، وتعيش أوقاتاً أكثر ظلمة من الآخرين بجوارك، فأنت لا تعرف متى وإلى أين سينتهي بك المطاف (..) هذه حِيلً يعمل عليها الاحتلال من خلال بثِ روح الضعف والهزيمة للقضية الوطنية الفلسطينية في نفوس المعتقلين، وأعرف العشرات من المعتقلين الإداريين، غالبيتهم قيادات فلسطينية، وهم كفءٌ لتحمل قوة الاعتقال الاداري".

واعتقلت قوات الاحتلال النائب عن المجلس التشريعي وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية خالدة جرار، قبل أسبوعين، وصدر بحقها حكم سجن اداري، لمدة 6 شهور قابلة للتجديد.

منظمة العفو الدولية، دعت مراراً سلطات الاحتلال الاسرائيلي إلى أن "تطلق سراح، أو تؤمّن محاكمة عادلة، لجميع الفلسطينيين المعتقلين لديها من دون أي اتهام أو محاكمة وذلك بموجب إجراء تطلق عليه الدولة العبرية "الاعتقال الاداري" ويسمح لها باعتقال المشتبه بهم لفترة ستة أشهر قابلة للتجديد لعدد غير محدد من المرات".
وقالت المنظمة في تقرير دوري يصدر عنها، "أطلقوا سراح جميع المعتقلين الإداريين اذا لم يوجّه إليهم اتهامات معترف بها دولياً، ومن ثمّ ومحاكمتهم وفقاً للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة".

في حين قال الأسير الفلسطيني جواد الراعي، 40 عاماً، والذي رفض الحديث عن مكان اعتقاله: "إن الأوضاع داخل السجون، حياةٌ أخرى.. في يوم الأسير نشهد العشرات من فعاليات الدعم والمساندة للأسرى، ولكن بعدها تعود الأمور إلى طبيعتها (..) فقط أهالي الأسرى والأصدقاء هم من يقومون بالتضامن الأسبوعي أمام الصليب مثلاً، أو إذا كان هناك توتّر داخل السجون بسبب حدثٍ ما، كالإضراب أو استشهاد أحد الأسرى، لا سمح الله، لماذا نشعر بأنّ الجهود محدودة في مساندة قضيتنا؟! ، هناك شعور سلبي أحياناً يتسلّل إلى قلوبنا، بأنّنا منسيّون، لقد سُجنّا لأجل فلسطين وللدفاع عنها، فلماذا نُنسى؟!".
الأسير الرّاعي، محكومٌ عليه بالسجن المؤبد، بتهمة إطلاق صواريخ تجاه "اسرائيل"، وبانتقاله إلى سياق حديثٍ آخر، يقول: "عندما تحدث حرب ونسمع خبر أسر جنود أو رفات حتى، نعتبر حينها أننا دخلنا الجنة أو أكثر من ذلك، فأملنا بالحرّية يتّسع، خاصّة أسرى المؤبّدات، فهناك أسرى منهم يعيشون ظلاماً حالكاً، بلا أي أمل بالإفراج عنهم، إلّا عبر صفقات تبادل (..) عندما نصاب بالإحباط، نتمنى لو تحدث حرب حتى تأسر المقاومة جنود، فللأسف هذا هو الطريق شبه الوحيد لدى الاسرى لنيل الحرية".

في حين قال رئيس لجنة الأسرى والمحررين "وزارة الاسرى سابقاً"، عيسى قراقع: "إن عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية بلغ 8.000 أسيراً، وقد تغير العدد مقارنة بـ 1500 أسير فقط قُبيل اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، ومن بين هؤلاء الأسرى 240 طفلاً، و73 امرأة وفتاة، وكلهم موزعون على 22 سجناً ومعتقلاً إسرائيلياً، داخل وخارج الخط الأخضر، وقد سجلت جمعيات حقوق الإنسان استشهاد 103 أسرى، جراء التعذيب، سواء أثناء وجودهم داخل السجون، أو بعد إطلاق سراحهم.