Menu

أبو بلال.. كأنّ أمّه نذرته للمشي فقط

تعبيرية

رضا حريري

في كل مرّة يظهر فيها أبو بلال في ذهني أراه يمشي. كلّما أتى أحدهم على ذكره أتخيّله يمشي. محنيّ الظهر، مطرق الرأس، وعلى وجهه طرف ابتسامة ساخرة.

كنت جالساً مع حسام حين فكرت بالأمر. لاحقاً حين اتصل بي والدي ليخبرني بوفاته، سيطر علي سؤال واحد: لماذا يمشي أبو بلال دائماً في ذهني؟

تركت حسام وخرجت، وهو لم يسألني لماذا. كنّا معتاديْن على ذلك.

جلست في غرفتي المغلقة.

أحفظ وجه الرجل كما أحفظ وجهي. كنت أراه دائماً في صغري. نكون نلعب أمام المنزل، وأراه آتياً من وراء البساتين، من جهة الحاكورة ليزور شقيقه، جدّي.

يأتي أبو بلال هكذا، من لا مكان. وأنا حين كنت أسأل أبي عن منزله يقول لي إنّه يسكن قريباً من هنا، خلف شجرة الليمون بالضبط، ويشير بإصبعه إليها.

رغم ذلك لم أرَ بيته أبداً من خلف الشجرة.

لا يحب أبو بلال الجلوس. ما إن يدخل وتقدّم له جدّتي كوب الشاي حتى يتأهب للرحيل. بالكاد يتكلم. يكتفي بممازحتنا نحن الصغار، ثمّ يقوم ويمشي مبتعداً، صاعداً إلى الأعلى، إلى الطريق العام.

لماذا يسير الرجل ضعيف البنية دائماً في ذهني؟

حين زُرنا أبو بلال قبل أشهرٍ قليلة بعد أن سيطر عليه المرض، بقي في سريره. لم يتحرّك الرجل الذي ازداد نحافة من تخته، وبصعوبة استوى في جلسته. ما زال طرف الابتسامة الساخرة مرسوماً على وجهه، وظلّ كلامه قليلاً كالمعتاد. لكن محسن في جلوسه بين بأولاده وأحفاده، وباسمه الحقيقي الذي اكتشفته، بدا غريباً عن الرجل الذي أعرفه.

هو الذي كان يأتي دائماً من لا مكان ويذهب إلى لا مكان، صار محاصراً الآن بين الجدران ومربوطاً بجذور كثيرة.

إذاً، لماذا بقي أبو بلال يمشي في رأسي؟

حتى في فيديو تشييع العمّ الذي سأحمل اسمه لاحقاً، كان يمشي. يسير وحيداً في المنحنى المؤدي إلى بيت جدي. لا يبدو مبالياً بالناس الكثر المحتشدين، ولا بضجيجهم. يمشي، بالطريقة نفسها التي سأراها بعد ولادتي.

هل هي الصورة إذن؟ أهي لقطة من ثلاث ثوانٍ، صوّرها بعشوائية رجل يحاول أن يتعلم استخدام الكاميرا، من بنت لي ذاكرتي عن أبو بلال؟

شتمت الكاميرا، وشتمت الصورة التي صارت تتحكم بحياتنا، كما قلت مرّة لحسام. أغمضت عينيّ. حاولت أن أتخايل صورة أخرى، ولم أفلح.

استلقيت على السرير، وأغمضت عينيّ. كان أبو بلال يسير في القرية. رأيته يخرج من المنزل. يقطع البساتين. يتجاوز شجرة الليمون ولا يتوقف. كان يسير، كأنّ أمّه ولدته ليمشي فقط، نذرته للمشي فقط. مات أبو بلال وهو يمشي، هذا ما أحبّ أن أراه، هذا ما قالته لي الصورة.