Menu

حل الدولة الواحدة أو الثنائية القومية

د.فايز رشيد

بعد انعدام فرص تطبيق حل الدولتين، بدأ البعض في الكيان الصهيوني (إيلان بابيه مثلاً) يدعو إلى حل الدولة الديمقراطية الواحدة (من محاضرة له في مقهى دار راية في حيفا الأسبوع الماضي). من جانب ثان، فإن بعض الكتاب الصهاينة بدأوا يحذرون حكومتهم، في مقالات لهم، من أنها ستجد نفسها أمام حل الدولة الثنائية القومية بالمعنى الاستراتيجي. بالطبع قد يبدو حل الدولة الواحدة، هو الأكثر عملية،إذا ما غير الكيان الصهيوني جلده (وهذا أراه مستحيلاً) وانقلبت الصهيونية إلى نقيضها (وهذا التصور أيضاً، ليس أكثر من وهم!). لهذا الرأي أسبابه، وهي التالية: 
أولاً: إن المعركة الفلسطينية العربية مع الكيان، هي معركة مفروضة علينا، لم يكن لدينا أي خيار فيها.. وهذه المعركة تقع في إطار المواجهة مع عدو استثنائي في عداواته لنا، فهو نمط خاص غير المستعمرين العاديين، الذين يستعمرون بلداً لمدة قد تطول أو تقصر، ومن ثم يخرجون عائدين إلى ديارهم، ولذلك نحن في مواجهة عدو اقتلاعي لنا، يرى أن له «حقاً مقدساً» في فلسطين التاريخية وفي أراض عربية أخرى. لذلك وبالضرورة، فإن مواجهة هذا العدو تقتضي نضالاً استثنائياً فلسطينياً وعربياً. 
ثانياً: في استعراض إمكانية حل الدولة الديمقراطية الواحدة، فإن العقبات «الإسرائيلية»، تحتل الجوهر الأساسي كعقبات، بالمقارنة مع العقبات الفلسطينية والعربية والإسلامية. تلك، تتمثل في أن الدولة الديمقراطية تتناقض بالمطلق مع الهدف الاستراتيجي، الذي يسعى إليه الكيان، ويتمثل في إقامة الدولة اليهودية، الخالية من العرب، والتي تجمع اليهود من مختلف أنحاء العالم. كما تتناقض مع خط استراتيجي صهيوني، وهو بمثابة الخط الأحمر أمام الوجود «الإسرائيلي» نفسه، ونعني به: عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم التاريخي. وتتناقض أيضاً مع كل قوانين الأساس التي سنها الكيان عوضاً عن الدستور. وتتناقض مع الجذور التوراتية للسلوك «الاسرائيلي»، المتمثل في العدوان الدائم على الفلسطينيين والعرب (الأغيار) في افق استعلائي فوقي وتفوقي، عنصري مزنر بنظرة دونية إليهم. وتتناقض مع مسلك الحاخامات،الذين أبقوا اليهود في إطار (الغيتو) الذي تحول إلى عنجهية (القلعة) بعد إقامة «إسرائيل»، فالحاخامات ورغم الادعاء بمرور ثلاثة آلاف سنة،أبقوا على السمات اليهودية من جهة، والنظرة إلى الآخرين كما هي من جهة أخرى، والكيان ورغم مرور ما يقارب السبعة عقود على إقامته القسرية، لم تتطور فيه،سوى العدوانية الممارسة على الآخر، ضمن دائرة نفس نظرة الحاخامات. بالتالي فإن أي مراهنة على ثلاثة آلاف سنة مقبلة، لإجراء تحول مسلكي مناقض لما تمارسه «إسرائيل» حالياً، هي مراهنة بعيدة تماماً عن الموضوعية.. بالطبع ضمن المعطيات الحالية، وعلى المدى القريب المنظور.
هذا عدا عن المناهج «الإسرائيلية» في رياض الأطفال والمدارس وفي المدارس الدينية، التي لم تنتج على مدى ما يقارب السبعين عاماً، سوى التطور في بنية اليمين الديني المتطرف، والفاشي بجدارة، إضافة إلى عسكرة (المجتمع) من خلال تطور المؤسسة العسكرية - الأمنية بمفاهيمها التي تفرضها على الشارع «الإسرائيلي»، تماماً كما تفرض المؤسسة الدينية شروطها في البنية الاجتماعية «الإسرائيلية» وفي الشارع أيضاً. 
ثالثاً: أما بالنسبة للدولة الثنائية القومية، فإلى جانب خطأ مقولة (القومية اليهودية) التي تعاكس التاريخ والواقع والوقائع ومبدأ الأديان، وإضافة إلى خطأ مقولة (القومية الفلسطينية) باعتبار الفلسطينيين هم عرب، فإن العقبات «الإسرائيلية» لإقامة مثل هذه الدولة هي العقبات الأساسية، وليست العقبات الفلسطينية ولا العربية أوالإسلامية... ونضيف: إذا كانت «إسرائيل» ما زالت تسعى للتخلص من الفلسطينيين العرب بداخلها، الذين يشكلون 20% منها فقط، وإذا كانت ورغم كل هذه السنوات،ترى في بقائهم في أرضهم (خطراً استراتيجياً) على وجودها، وإذا كانت لا تزال تمارس عنصريتها البغيضة عليهم... فكيف ستتخلى عن عدوانيتها وعنصريتها وتقبل بإقامة دولة ثنائية القومية؟
رابعاً: الكيان مرتبط في وجوده بالظاهرة الأقبح في التاريخ هي الاستعمار الكولونيالي الاستيطاني وبالتالي، فإن الحديث عن إحدى الظاهرتين بمعزل عن الأخرى، ليس إلا استعراضاً أيديولوجياً بعيداً عن الموضوعية والقوانين الطبيعية والبشرية أيضاً.
.. واعتماداً على رؤية موضوعية تحليلية للتاريخ، والواقع، ومحاولة استشفاف للمستقبل بأفق علمي بعيداً عن الشطح يميناً أو يساراً.. فالمطلوب وضع اليد على الجرح وجوهر الصراع... الذي لم يكن ولن يكون بإرادة منا. لذا فليبق التحرك السياسي الفلسطيني والعربي والدولي قائماً على حل الدولتين، كحل اعتراضي هادف إلى منع تصفية القضية الفلسطينية، وليبق متسلحاً بقرارات الشرعية الدولية، التي ضمنت للاجئين من أبناء شعبنا حقهم في العودة، والتي لا تعترف باحتلال «إسرائيل» للأراضي الفلسطينية في عام 1967، ولذلك تدعو إلى انسحابها من كافة هذه الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس الشرقية، ولكن لتبق لنا قناعاتنا الخاصة المتمثلة في أنه لا يمكن التعايش مع هذا السرطان الخبيث إلا باستئصاله.