لاجدوى من المراهنة في الظروف الحاضرة التي تمر بها المنطقة العربية على حل تفاوضي مع الكيان الصهيوني لحل القضية الفلسطينية كما تسعي إليه الآن بعض القوى الدولية والإقليمية لأن هذا الكيان العدواني الغاصب حقق ما يريده من مكاسب سياسية من الأنظمة العربية ومن المجتمع الدولي رغم ما ينظر إليه في العديد من دول العالم المحبة للأمن والسلام الدوليين بأنه لا يطبق قرارات الأمم المتحدة ويعرقل أي جهود سياسية جادة تفتح الطريق نحو تسوية عربية إسرائيلية ...
لقد أصبح بذلك هذا الكيان بسبب المتغيرات النوعية التي تعصف بالمنطقة دولة لها دور إقليمي في الشرق الأوسط لها علاقاتها العربية مع دول محورية ورئيسية في النظام العربي الرسمي ولم تقتصر هذه العلاقات الان على مصر والأردن التي تحققت بإبرام اتفاقتي سلام معه منذ أعوام عديدة من القرن الماضي بل اتسعت لتشمل غالبية الدول العربية من المغرب في شمال اقريقيا إلى قطر والسعودية مؤخرا في منطقة الخليج العربي ...على الجانب الإسلامي تشهد ايضا في هذه المرحلة تعزيز في علاقة الكيان مع تركيا بعد إعادة التطبيع معها والموافققة على تبادل السفراء بينهما كما كان الحال في الماضي قبل حادثة السفينة مرمرة وبموافقة الأغلبية ايضا في البرلمان التركي الذي افرزته ديموقراطية غربية مشوهة يفتخر بها أردوغان لانها حافظت على نظامه الإسلامي من محاولة انقلاب فاشلة قام بها قبل شهر جنرالات العسكر العلمانيين ...
على الصعيد القاري يحوز الكيان الصهيوني الان بمكانة سياسية هامة في أفريقيا بعد أن كانت العلاقات ألدبلوماسية مقطوعة مع غالبية دولها بعد حرب اكتوبر 73 حيث قطعت ثلاث وثلاثين (33) دولة بقرار من منظمة الوحدة الافريقية وذلك تضامنا مع مص باعتبارها دولة اقريقية وقد تم اعادة العلاقة بعد ابرام اتفاقية كامب ديفيد وقد تتوجت هذه المكانة السياسية التي يحوزها الكيان الآن بزيارة نتنياهو الأخيرة لبعض دول شرق أفريقيا خاصة إثيوبيا التي اتسمت بطابع تحريضي ضد مصر فيما يتعلق بالموقف من سد النهضة ..
اما الدول إلاوروبية خاصة الكبرى فعلاقاتها السياسية التقليدية وثيقة مع الكيان الذي هو اصلا في تأسيسه في قلب الوطن العربي كان مشروعا استعماريا غريبا ساهم في حل المشكلة اليهودية التي كانت تؤرق المجتمعات الأوربية وذلك باستيعابه لاوائل المهاجرين اليهود الأوربيين الذي شكلوا الأغلبية في تعداد سكان المجتمع الاسرائيلي وقد ظلت العلاقة الأوروبية الإسرائيلية منذ قيام الكيان عام 48 على عمقها السياسي والاقتصادي والحضاري بشكل عام بالرغم اخيرا من موقف الاتحاد الاوروبي المعارض لسياسة الاستيطان وكذلك من ظهور حركة مقاطعة أوروبية لمنتجات المستوطنات . .
ناهيك عن العلاقة مع روسيا السلافية الذي يضفي عليها حنين وزير الخارجية الصهيوني ليبرمان إلى موطنه الأصلي روسيا بعدا عاطفيا جعل الرئيس الروسي بوتين يتوق لدور سياسي روسي في عملية السلام المجمدة يكمل به الدور الروسي العسكري في الأزمة السورية وذلك اسوة بالدور الامريكي والفرنسي في هذه الأزمة وفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصفة عامة وقد حملت الأنباء عن نجاح المساعي الروسية في الدعوة إلى اجتماع قريبا بين الرئيس أبو مازن ونتنياهو في موسكو ...ومن جهة اخرى في القارة الآسيوية تم التعبير مؤخرا بوضوح عن رغبة الهند صديقة العالم العربي التقليدية في تعزيز العلاقة مع الكيان بعد برود طويل بسبب النظرة الهندية الرسمية التي ترى في الكيان دولة توسع واحتلال ويمكن ايضا الإشارة هنا إلى تحول في موقف باكستان الدولة الإسلامية النووية الكبرى كونها قبلت المشاركة في مناورات جوية للتدريب مع طائرات الكيان الحربية جرت مؤخرا في صحراء نيفادا في الولايات المتحدة ...
كل هذه المكاسب السياسية التي حققها الكيان في ظل حكومة عنصرية متطرفة تمارس أقسى أشكال القمع والإرهاب على الشعب الفلسطيني ودون أن يقدم أي خطوة سياسية ملموسة باتجاه حل عادل للقضية الفلسطينية لا تخدم إطلاقا هذه المكاسب أي حل تفاوضي يجرى الدعوة آلية الآن بل إن هذه المكاسب السياسية من شأنها أن تزيد الكيان الصهيوني تعنتا وصلفا وامعانا في ممارسة أسلوب المراوغة والمماطلة لكسب مزيدا من الوقت لتغيير الواقع الديموغرافي على الأرض من خلال تكثيف حملة الاستيطان الجارية على قدم وساق واكثر من ذلك يتمخض عنها بروز حلول صهيونية بديلة مغامرة لعملية السلام كالتي يدعو إليها ليبرمان في محاولة لتجاوز مسؤلية السلطة الوطنية الفلسطينية في موضوع التمثيل والتفاوض واجهاض الانتفاضة الحالية في الضفة الغربية المحتلة من خلال السعي على إيجاد روابط قرى جديدة كالتي تم فشلها في محاولة صهيونية سابقة ..
بيد انه خلال فترة قادمة قد يثمر الضغط الدولي كذلك التهافت العربي الرسمي نحو التطبيع والرغبة الإسرائيلية في استثمار ما افرزته المتغيرات النوعية في المنطقة ،هذه العوامل قد تدفع الوضع في المنطقة باتجاه احياء عملية مفاوضات جديدة على أساس مبادرتي السلام العربية بعد امكانية تعديلها نزولا للرغبة الإسرائيلية و كذلك الفرنسية ايضا التي يتم تسويقها الآن وعبر مؤتمر دولي للسلام يعقد قبل نهاية العام الحالي وعند ذلك سوف تطرح على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في تلك المفاوضات المحتملة الدعوة إلى المرونة وإنتهاج حلول وسط و اتخاذ قرارات صعبة وهذا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية وقبول حل يفرضه الجانب الإسرائيلي تحت ادعاء انها الحلول الوسط ومنها الوضع في القدس الشرقية و بقاء المستوطنات خاصة الكتل الاستيطانية تحت السيطرة الإسرائيلية والالتفاف على حق العودة رقم 194 الخاص بالاجئين حسب نص عبارة (حل متفق عليه ) التي وردت في بنود المبادرة العربية للسلام وبقاء السيطرة العسكرية والأمنية على الغور بمحاذاة الحدود مع الأردن وهذا الحل التفاوضي اذا ما تحقق بالنسبة للقضايا الجوهرية في الصراع سيكون طبعا لصالح الكيان الصهيوني ونتيجة طبيعية بحكم الخلل القائم في موازين القوى بين الطرف الفلسطيني الذي يعيش حالة انقسام سياسي بغيض وبين الطرف الإسرائيلي الذي يعيش حالة ائتلاف يميني وصهيوني واسع متمسك إلى أبعد الحدود بالمشروع الصهيوني العنصري ...

