Menu

حكايات ليست عن انقطاع الكهرباء: اللاأحد

تصميم: حسين ناصر الدين

رضا حريري

13.9.2016

"إلى بيروت، حيث انتشرت أخبار فجر اليوم عن وقوع هجومٍ على محطة لتوليد الكهرباء في منقطة الجيّة، جنوب العاصمة. وقد بقيت تفاصيل الحادث غامضة حتّى وقتٍ متأخرٍ. وانتشرت شائعات كثيرة حول ما حصل، تحدّث البعض عن هجوم إرهابي، فيما أكّد البعض الآخر أنّ أهالي المنطقة هم مَن هاجموا المحطّة احتجاجاً على وجودها الذي رفع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية بينهم."

أنظر إلى الصور التي تظهر على "بي.بي.سي"، محاولاً الحفاظ على تركيزي لأفهم ما الذي تقوله المذيعة التي تتكلّم بسرعة.
"قبل قليل، أصدرت قوى الأمن الداخلي بياناً أشارت فيه إلى أنّ مجموعة من المشرّدين قاموا بمهاجمة المحطة، بقيادة ثلاثة أشخاص مجهولي الهويّة، وهم رجل خمسيني مليء بالأوشام، وامرأة كبيرة في السن، وصبي يُعتقد أنّه نازح سوري."

أتفرّج على الأشخاص الثلاثة الذين تبدو وجوههم مألوفة بالنسبة لي، وهم يتقدّمون مجموعة من ثلاثين شخصاً تقريباً. أشعر أنّه سبق لي أن رأيتهم.. يظهر على الشاشة شابٌ يبدو من ثيابه أنّه عاملٌ في المحطة. "أنا المدعو ناجي زيدان، هجموا عليّي هودي المجانين اليوم وصاروا يضربوني بالعصي. أنا المدعو ناجي زيدان، عرفت اليوم أنّه في شخص بيدّعي أنّه صحافي، وهو عار على الصحافة، أهانني بمقال قبل فترة وافترى عليي، وهلأ حكيت مع محامي الشركة وحنرفع عليه دعوى بتهمة التحريض على القتل ليكون عبرة"... أغرق بالعرق فجأة، أمسح جبيني. أوك. ناجي شخصية حقيقيّة! ماذا أفعل؟ أنظر إلى الشاشة مرّة أخرى. "والجدير بالذكر أنّ قوى الأمن قامت باعتقال معظم مَن شاركوا في الهجوم، باستثناء القادة الثلاثة المتوارين عن الأنظار، حتّى اللحظة. ننتقل الآن إلى جزيرة ميكرونيزيا، حيث...". أغمض عينيّ. يطنّ صوت الجرس في رأسي، يتبعه رنين الهاتف. الأمن؟ عمال الشركة؟ مِن أين أتتني هذه المصيبة؟ أشعر بالدوار...
أفتح عينيّ، يغطيني العرق. المكيّف مطفأ. لا كهرباء. يرنّ الهاتف. أمسكه. أطفئ المنبّه. التاسعة صباحاً. أنظر من حولي إلى الغرفة الغارقة بالعتمة. حسناً. يبدو أنّ كلّ ذلك كان حلماً. يرنّ جرس الباب. لم يكن حلماً؟ جاؤوا ليمسكوا بي. أجمد في السرير، وأنتظر. دقيقة، دقيقتان، خمس دقائق. هدأ المكان. أنظر من عين الباب لا أرى أحداً. أشقّه. أجد إيصالاً من جابي الكهرباء يقول فيه إنّه سيعود بعد يومين لتحصيل الفاتورة. هل هي حيلة؟
يجب أن أعرف ما الذي يجري. أخفض ديجنتير الدولة وأرفع ديجنتير الاشتراك. حلو. لم تشغّل الملعونة أم قاسم المولّد بعد. ماذا لو كانوا بانتظاري في الشارع؟ أتسلّل إلى الشرفة. أحاول استراق النظر إلى الأسفل. لا أرى أحداً. أهدأ قليلاً. أتّصل بزميلي، جار جلنار، لكنّه لا يجيب، بزميلتي صديقة سليم، لكنّها لا تردّ أيضاً. أتّصل بكلّ شخصٍ أعرفه، برفاق الجامعة، بصديقي الوحيد المتبقّي من أيام الدراسة، بأقربائي، لكن لا أحد يرد.
ليس أمامي سوى الذهاب إلى العمل. الجريدة ستحميني. أعمل فيها منذ فترة، وأنا صحافي. نعم، صحافي. لا أخشى شيئاً. أنا السلطة الرابعة. ألم يعلّمونا ذلك في المدرسة؟ أسير في الشارع. كلّ شيءٍ يبدو عادياً. إن حاول أحدٌ الحديث معي سأقول له "خذ"، وأبرز له بطاقتي الصحافيّة. أدخل مبنى الجريدة، المدخل هادئ على غير العادة. أركب المصعد. أدخل إلى المكتب. أشغّل الكومبيوتر وأخرج إلى الرواق بحثاً عن أحدٍ من زملائي. جميع المكاتب مغلقة. أنتبه أنّ اليوم عطلة. أرجع إلى مكتبي. تنقطع الكهرباء. أجلس منتظراً أن يعمل المولّد.

هل قرأوا فعلاً مقالي عن ناجي؟ كان الأمر مجرّد قصة. تسلية. تمرين ذهني. لو كنت أعرف لما كتبت شيئاً. كيف التقى هؤلاء الثلاثة؟ أين خطّطوا لهجومهم. اختبأ سليم الصغير في تلك الليلة ولم يرحل مع الفان الذي يقلّه مع بقية الأولاد والنسوة إلى بيوتهم. جلس على مقعده قبالة شاشة الإعلانات. اقتربت منه جلنار المتعبة من المشي، وغمغمت بكلمات غير مفهومة ليفسح لها. جلست إلى جانبه. مع تقدّم الليل نام الصبي. جاء سمير خطّار، الغريب الذي يخيف الساهرين ليلاً في الحمرا. كان قد تعرّف على جلنار منذ فترة. تطلب منه أن يحمل الصبي. ثم يتسلّلون إلى شقّتها في شارع جان دارك. هكذا التقى الثلاثة. لكن كيف وصلوا إلى ناجي؟ من أين أتوا بهؤلاء الذين شاركوا معهم بالهجوم؟ ربّما صار سمير خطّار مهووساً بقراءة الجرائد بحثاً عن خبرٍ عن نفسه، وبالصدفة قرأ مقال ناجي.

أنتبه أنّ الكهرباء لم تعد، وأنّني لا أسمع صوت أيّ مولدٍ في المنطقة! إن خرجت الآن قد يهجم عليّ ناجي، أو عمّال من الشركة، أو قد تقبض عليّ الشرطة. ربّما سيجدني الثلاثي ويخطفونني. ربّما يضعون الآن مخطّطاً للهجوم عليّ. الشمس بدأت بالمغيب. بعد وقتٍ قصير لن يعرفني أحدٌ في الشارع. لا الشرطة، ولا الجيش، ولا ناجي، ولا جلنار، ولا الملائكة.
عندما نزلت إلى الشارع كانت العتمة قد بدأت تسود المكان. مشيت، وكنت أرى أناساً آخرين يمشون من حولي، دون أن أستطيع تمييز وجوههم. كلّما مشيت أكثر، ازدادت العتمة أكثر. الكهرباء مقطوعة في كلّ مكان. صار الشارع مظلماً، لم أعد أميّز الناس. صرت أرى أجساماً تتحرّك، دون أن أميّزها. لم يعودوا شخصاً محدّداً، صاروا لا أحد. شعرت بالارتياح، وفكّرت أنّني مثلهم: لا أحد. جسمٌ غريبٌ آخر يتحرّك في الشارع. بدأت بالضحك. صرت سعيداً حقّاً. "أمامي متّسعٌ من الوقت للتفكير بما عليّ فعله إن كان الهجوم حقيقياً، حتّى تشرق شمس الغد". سمعت صوت فيروز آتٍ من حيث لا أدري. "الحلوة الحلواية تعبوا زنودها، ونتفة اصفرّوا خدودها، وبإيدها نعست الإسوارة". نظرت إلى السماء، فانتبهت أنّها المرة الأولى التي أرى فيها النجوم في الحمرا. فكّرت بالكهرباء المقطوعة وبالمولّدات التي لا تعمل. ضحكت. ربّما لن تشرق الشمس عند الفجر. لا داعي للخوف. سأصير مجرّد "لا أحدٍ" آخر في "مدينة اللاأحد".

المصدر: شباب السفير