مما لاشك فيه بأن التسريب الصوتي للواء وائل الصفتي مسئول الملف الفلسطيني في المخابرات المصرية، والقيادي السابق بحركة فتح محمد دحلان لم يأتِ من قبيل الصدفة، بل جاء ليؤكد من جديد على إصرار منظري الفوضى الخلاقة في السير بذات الطريق الذي رسمته سابقاً اتفاقات " سايكس بيكو" في إطار وضع الوطن العربي في حالة من عدم الاستقرار، واشغاله في خلافات داخلية من أجل ضمان أمن العدو الصهيوني، والقبول به كدولة رئيسية مؤثرة في شرق أوسطي جديد الذي تسعى الخارجية الامريكية إليه.
ولعل الحميمية العالية التي تحدث بها اللواء الصفتي مع السيد دحلان جاءت لتؤكد على إصرار الرباعية العربية في الاستمرار قدماً بسياسات الوصايا التي تحاول فرضها على النظام السياسي الفلسطيني، ومحاولات المس بكل الرموز التي تتصدى لهذه السياسات، ورسم صورة ذهنية للمواطن الفلسطيني تحاول من خلالها هذه الأنظمة تمرير ما تهدف إليه في إطار إحداث التغيير السياسي المحسوب لضمان استمرار هذه الوصاية.
كان الأحرى بالسيد الصفتي الخروج فوراً لنفي ما ورُد على لسانه في هذا التسجيل؟! والذي يسئ للعلاقات المتميزة ما بين الشعبين الفلسطيني والمصري، والذي تنكر من خلاله السيد الصفتي لتاريخ طويل من التضحيات والآلام المشتركة.
كما أن ما جرى يدعو الفصائل الفلسطينية لإعادة النظر في تلك العلاقة بما يضمن إخراج هذا الملف من عهدة المخابرات المصرية لمكانها الصحيح والسليم، بعيداً عن الأجندة الأمنية، والتي تعرف أبعادها وامتداداتها في المنطقة والعالم.
كما أننا كفلسطينيين وفي الوقت الذي نرفض فيه المساس بهذه العلاقة التي تعمدّت بالدم على مدار سنوات النضال المشترك ضد الحركة الصهيونية، فإننا نرفض أي تدخلات من شأنها فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني وإرادته السياسية.
أما فيما يتعلق بالمقطع الخاص بتوصيف اللقاء مع قيادة الجبهة فهو بكلتا الحالتين سواء كان تسجيلاً مفبركاً أو حتى حقيقياً فهذا يؤكد مصداقية الجبهة، ومواقفها المبدئية التي تطرحها في العلن وبالغرف المغلقة، وبأنها المدافع الأصيل عن الثوابت الفلسطينية لا تحيد عنها أو تساوم عليها، ولن تستطيع كل أموال ومغريات الدنيا أن تحرف بوصلة الجبهة عن هذه الأهداف لا بضعة الدولارات التي تحصل عليها كحق واستحقاق وطني من منظمة التحرير، ولا أي مغريات من هذا النظام أو ذاك يستطيع التأثير عليها.
وتوضيحاً لخلاف الجبهة مع أبي مازن فإنه لم يكن يوماً بشأن المخصصات التي طالما احتجزها في الكثير من المحطات التي عبّرت الجبهة عن خلافها معه، ولكن الخلاف حول سياسات هذا الرجل التي رهنت المنظمة وممكناتها وطاقاتها التي هي بالأساس ممكنات وطاقات الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة لصالح مشروع التسوية العقيم، الذي لم يجلب لشعبنا سوى الانقسام والخراب، وتعطيل مؤسساته وإهدار طاقاته بصوة عبثية عقيمة.
اشتد هذا الخلاف مع دخول الانتفاضة الثالثة لشعبنا للمشهد السياسي الفلسطيني وسياسات إدارة الظهر لكل مبادرة أو مقترحات كان من شأنها تعزيز وتطوير هذه الانتفاضة كجسر وممر للوحدة وإنهاء الانقسام.
بل تصدت لهذه الانتفاضة بتعزيز وسائل وجسور التنسيق الأمني على جثث شهداؤنا، وترك أطفالنا يواجهون الإعدام الميداني على حواجز الموت الصهيونية، ولاحق الأطفال على مقاعدهم الدراسية عبر رجال أمنه، وأدار الظهر لأهلنا ب القدس محاولاً تجريم كل من وقف مقاوماً للعدو.
زاد من حدة هذا الخلاف جريمة اغتيال الرفيق عمر النايف في حرم السفارة الفلسطينية في بلغاريا، ولن نذكرك بجريمة اعتقال أبطال عملية 17 أكتوبر وما لحقها من تسليم للأبطال الأربعة وأميننا العام للعدو الصهيوني بعد مهاجمة الاحتلال لسجن أريحا الذي احتجزوا فيه لسنوات تحت حراسة بريطانية وأمريكية.
لذلك، فإننا ندعو اللواء الصفتي لإعادة دراسة المشهد بعيداً عما يتطلبه من دوره في تمرير الوصايا على الشعب الفلسطيني.

