Menu

الداخل يمتشق السلاح.. انتفاضة الأقصى بعد 16 عام

24.10.2001 مسلحون فلسطينيون في اشتباك مع جنود الاحتلال في بيت لحم بعد تنفيذ عملية اغتيال الوزير الصهيوني رحبعام زئيفي

عرفات الحاج

رغم ما يبدو لنا كصورة مختلفة تحمل تغيّرات كبرى في المشهد السياسي الفلسطيني بعد 16 عاماً على اندلاع انتفاضة الاقصى 28/9/2016، إلا أن التدقيق في هذا المشهد يدفعنا للإقرار ان ليس هناك تغيّر ملموس فيما يقوله الفلسطينيون سياسياً، ففريق التسوية لا زال متشبثاً بمسيرته العبثية المتعثرة، وقوى الرفض لمسيرة التسوية لا زال كل منها في موقعه بخطابه تجاه معظم محاور الملف الفلسطيني، حتى وإن غيّر جزء من هذا الفريق تموضعه الإقليمي.

يبدو هذا التلخيص منسجماً مع مقولات الناقدين لحدث الانتفاضة وما بذله الفلسطينيين من تضحيات جسيمة فيها، ولكن المدعاة الحقيقية لهذا التلخيص متابعة التغيير الحقيقي الذي ألمّ بالمشهد الفلسطيني والأثر الأساسي لانتفاضة الأقصى، فلسنوات طوال راهنت الفصائل الفلسطينية على تحصيل مواطئ قدم للاشتباك مع الاحتلال عبر حدود دول الطوق مع فلسطين التاريخية، ومع سقوط هذا الرهان بقوة الفعل العسكري الصهيوني والتعاون العربي معه ضد الثورة الفلسطينية انحسرت آمال الفلسطينيين كثيراً في العودة للاشتباك المسلح مع الاحتلال، وبقي دور الجماهير داخل الأراضي المحتلة ينحصر في إمكانية إطلاقها لفعل جماهيري احتجاجي، ولم يتجاوز هذا الرهان حتى في ذروته جهود خلايا محدودة العدد من الفدائيين.

فمع قرار الاحتلال بسحق أي مقاومة فلسطينية لعملية فرض التسوية والاستسلام عليهم باستخدام وحشي للقوة النارية كان الفلسطينيين أمام مفترق طرق حقيقي، أجابوا عليه ببضع آلاف من الرصاصات شبه العشوائية من البنادق الهجومية الخفيفة ak47  "الكلاشنكوف" و نظيرتها الأمريكية m16  .

ما الذي تغير..

المناوشة الشكلية للوحش الصهيوني المسلح حتى أسنانه التي لم ينخرط فيها إلا بضعة عشرات من المقاتلين الفلسطينيين في الأسابيع الأولى للانتفاضة وفي مقابل إطلاق العدو الصهيوني لطائراته المروحية المقاتلة وصواريخها الفتاكة كان الفلسطينيين قد استخدموا ما هو أقل من 50 ألف رصاصة من بنادقهم الهجومية الخفيفة كان معظمها يرتد عن تحصينات المواقع العسكرية لعدوهم فيما انتشرت النكات عن تساقط رصاصات الكلاشنكوف عن دروع الدبابات وناقلات الجنود الصهاينة، ولكن الحصيلة كانت تقول أنه خلال ثلاث أيام قد نجح المقاتلين الفلسطينيين في إسقاط 15 جندياً من جنود الاحتلال برصاصهم.

الأفكار والوصفات التي كان يتناقلها نشطاء الانتفاضة لمواجهة آلات الاحتلال العسكرية تشكل شاهد حقيقي على حقيقة قدراتهم آنذاك سواء على مستوى الأدوات أو المعرفة العسكرية الشحيحة، فمعظم هذه الوصفات "التكتيكات" ستبدو مثيرة للضحك للقارئ من أبناء فلسطين المحتلة وبيئتها المقاومة اليوم، ولنتخيّل أن أبرز هذه الأفكار كانت وضع أنابيب غاز الطهي في الطرقات وإطلاق النار عليها لدى مرور دبابات الاحتلال على أمل انفجارها، أو وضع الأسلاك وألواح نبات الصبار والبطانيات كأدوات لعرقلة هذه الدبابات، وحينما بادر الاستشهادي "بهاء الدين سعيد" لاقتحام مستوطنة "كفار داروم" جرى تناقل هذا الحدث بين نشطاء الانتفاضة كمعجزة عسكرية، وصنفت عملية استهداف حافلة لنقل المستوطنين بواسطة قذيفة مدفع قديمة تم تحويلها لعبوة ناسفة بطريقة ما كقمّة لتطور الفعل المسلح آنذاك.

قذائف الهاون كانت مصطلح عجائبي بالنسبة لأبناء الداخل المحتل حينما ذكرته وسائل الإعلام العبرية في اتهامها للشهيد أبو علي مصطفى بوضعها في السيارات المفخخة في القدس كوسيلة لزيادة القدرة التفجيرية، كذلك تضرّع المئات من المقاتلين لتنجح قذيفة "الانيرجا" المطلقة من مقدمة بندقية كلاشنكوف بتدمير دبابة تعتبر من الأعلى تصفيحاً في العالم، في خضم هذا الرهان الهستيري لكسر ذراع الموت الصهيونية لم يكن بإمكاننا أن نتخيل ما ستصل إليه هذه المقاومة في أيامنا هذه.

السرعة التي انضم فيها آلاف من الفلسطينيين ليتحولوا لمقاتلين وينتظموا في تشكيلات مختلفة التسميات كانت مجرد إشارة أولى لما يمكن للإنسان فعله لمواجهة الإبادة حين تطال مجتمعه ومحيطه ومن يحب، هؤلاء الفتية والشبان الذين امتشقوا السلاح كعناصر تحت إمرة بقية من مطاردي الانتفاضة الأولى ذوي التجربة العسكرية المحدودة، هم اليوم العصب الحقيقي لفصائل المقاومة وقادة الكتائب المختلفة فيها، وسدنة الرصيد الصاروخي الذي بات يقدر بعشرات الآلاف من الصواريخ، وهم في الحقيقة من درّب مقاتلي النخبة الذين صعقوا قوات العدو ببطولاتهم في الحرب الأخيرة.

كل عملية ناجحة للمقاومة في ذروة تطورها الذي برز في حرب غزة الأخيرة هي نتاج لعشرات التجارب لمحاولات سابقة كان ثمنها تضحيات ودماء الكثير ممن اختاروا هذا الطريق، وإذا كان بإمكان الفلسطيني اليوم الحديث عن كوماندوز بحري يداهم قواعد العدو في "زيكيم" فأن الشهيد حمدي انصيو منفذ أول عملية بحرية استشهادية استهدفت زورق للعدو يحق له ولمن عرفه أن يذكّرنا أن هذا الثمر من تلك الجذور.

في مواجهة الإبادة الصهيونية لم يكن بوسع الفلسطينيين إلا تعلّم القتال وإتقانه ودفع الأثمان الدموية لهذا التعلّم، وفي مواجهة الحصار على الموارد القتالية كان عليهم أيضاً استجلاب السلاح بكل ثمن، وتصنيعه بما تيسّر في أراضيهم المحتلة والمحاصرة، عشرات من الطلبة المتفوقين في التخصصات العلمية تركوا كل شيء ليداعبوا مواد الموت المتفجرة ويحيلوها لأدوات تقي شعبهم ميتة المستسلم.

في هذا المسار المرير تعلم الفلسطيني حقائق أخرى صعبة مفادها أن الانشغال بما يقال عنه أو له من محيطه هو مضيعة حقيقية لوقت ثمين يعني الموت والحياة في المعركة مع الاحتلال، وفي هذه الطريق يمضي عدد غير محدود من مقاتلي المقاومة الذين باتوا أعلى خبرة وتجهيز ودراية بأساليب الظفر في المواجهة المستمرة مع العدو، فيما بقيت أحاديث الساسة تراوح مكانها وبقيت الكلمة الأولى والأخيرة للميدان والتضحيات المبذولة فيه.

المؤكد أن أي فعل عسكري الهدف منه إحداث تأثير سياسي، ولكن في خضم المواجهة مع محتل ينشب أنياب آلته العسكرية في لحمك الحي وانحياز دولي لا يعرف الحدود، تكون السياسة الوحيدة الممكنة هي القتال بكل ما أوتيت من قوة أملاً في تغيير هذه المعادلة المجحفة.

فالنظر لما فعله جبريل عواد وأمجد مليطات ويامن فرج ونايف أبو شرخ وباسم أبو سرية ومحمود طوالبة وعبد الباسط عودة لصناعة معنى لحياتهم وموتهم يعلمنا الكثير عن معنى الوجود في هذا العالم  وتحديداً في هذه البقعة منه.