Menu
أوريدو

بوتين: روسيا لن تُخدع مجدداً!

حاتم استانبولي

منذ أن وقّعت روسيا اتفاقها مع الولايات المتحدة حول سوريا، كانت تدرك أن أمريكا لن تلتزم بالاتفاق، وقد سارعت لتعزيز وجودها العسكري في البحر المتوسط، وزوّدت قاعدتها البحرية والجوية بمنظومات دفاعية وهجومية لتعزيز اتفاقها السياسي، لكي لا تخدع كما حصل في كل من العراق و ليبيا .

والمتابع يلاحظ أن الموقف الروسي تصاعد تدريجياً منذ بداية الأزمة السورية، فقد ابتدأ بالموقف الداعم والمتضامن مع الدولة السورية وشعبها، وأعلن أن الحوار السياسي بين مكونات المجتمع السوري هو الكفيل بحل المشكلات، وبدأ موقفها يتصاعد مرتبطاً بتصاعد الهجمة على الدولة السورية.

الموقف الروسي من حيث الجوهر كان يدرك أن انهيار الدولة السورية يعني ظهور دويلات قائمة على أساس ديني ومذهبي وطائفي سيتبعها سياسة تطهير عرقي وطائفي ومذهبي، وستطال ارتداداته المحيط والداخل الروسي، كما سيطال المحيط والداخل الصيني، ومن الواضح للمدقق أن الأجهزة الاستخبارية الروسية والصينية توصّلت إلى قناعة أن الولايات المتحدة وحلفائها غيّروا من استراتيجيتهم في إخضاع الدول والشعوب، واستبدلت سياسة التدخل المباشر بسياسة تفكيك الدول من الداخل من خلال التلاعب بمكوناتها العرقية والدينية والمذهبية، ولتحقيق ذلك قامت باستخدام أرصدتها في التنظيمات التي تتخذ من الدين وسيلة لتمرير سياساتها، التي لا تعير وزناً للدول والأوطان، فقد تلاقت مصالح رأس المال بالموقف من الدولة الوطنية مع مصالح منظمات الدين السياسي في تدمير الدول الوطنية واستبدالها بدويلات دينية تشكّل محيطاً لتمرير يهودية الدولة، وهنا نستطيع أن نفهم الموقف (الإسرائيلي) الداعم مادياً وعسكرياً لها في الجنوب السوري.

هذه القناعة تعاملت معها روسيا وحلفائها بشكل جدّي ورصين على كافة المستويات، على مستوى مجلس الأمن تصدّت وبشكل حاسم لكافة المحاولات لإصدار قرارات تحت الفصل السابع واستخدمت الفيتو لكبح جماع التحالف المعادي لسوريا، استخدمت سياسة هادئة لتفتيت التحالف الدولي المعادي، وحصرت الحوار في الشأن السوري بينها وبين الولايات المتحدة، وتحديداً بين وزيري خارجيتها، استخدمت عامل الزمن في تغيير المزاج الشعبي العام، وكشفت النوايا المعادية ل سوريا وشعوب المنطقة، وأظهرت أن أمريكا وحلفائها هم من يدعمون الإرهاب، ولا يعيرون أي اهتمام للقانون الدولي، أو منظومة العلاقات الدولية، وخاضت معركة دبلوماسية بمشاركة حلفائها للحفاظ على القانون الدولي ونظمه للحفاظ على سيادة الدول، وترافق كل ذلك بالعمل الحثيث على فك الحصار عن حليفتها إيران، ونجحت بذلك، وردّت بشكل حاسم على الانقلاب الأوكراني الذي استهدف الرئيس المنتخب عبر إعادة القرم للسيادة الروسية، حيث جاءت العملية من حيث توقيتها وأسلوبها رسالة للناتو وحلفائه، بأن روسيا خرجت من قمقمها وأنها تستطيع أن تذهب بعيداً للحفاظ على مصالحها، ووجهت روسيا رسالة أخرى عبر إعلانها أن التدخل العسكري المباشر لمكافحة الإرهاب في سوريا، وأرسلت مقاتلاتها التي شكّلت فارقاً ملحوظاً في الميدان، وفرضت نفسها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، وفي ذات الوقت كشفت الخداع الأمريكي في مكافحة الإرهاب، وطرحت عدة تساؤلات حول حقيقة داعمي "داعش" واخواتها، وقدّمت صوراً ومستندات جعلت الموقف الأمريكي مكشوفاً، وانخفضت مدة القضاء على "داعش" من 30 عاماً حسب تصريحات الرئيس اوباما إلى شهور عديدة.

كل هذا جعل الموقف الأمريكي مربكاً وخلق تعارضات بين أجهزته، وتصعيد اللهجة الأمريكية في مجلس الأمن والتي وصفت العمليات الروسية في محيط حلب بالبربرية، ما هو إلا انعكاس للغضب الأمريكي من جديّة الموقف الروسي وحكمته في مواجهة خططهم التي تكسرت في الكاستيلو والراموسة، إن تصعيد اللهجة في مجلس الأمن هو خروج عن اللياقة الدبلوماسية بين الدول الكبرى.

الرد الروسي جاء سريعاً في نقطة موجعة للأمريكيين وحلفائهم، بإعلانها وقف العمل بالاتفاق حول البلوتونيوم، وتبعها إعلان عن تزويد قاعدتها بمنظومة اس اس 300، ودعم أسطولها في البحر المتوسط، كل ذلك ترافق مع تصريح الكرملين أن روسيا لن تتخلى عن مكافحتها للإرهاب ودعم الدولة السورية وجيشها، وإعلان الكرملين أن الشروط الروسية قد تغيّرت، حيث تريد أن ترفع العقوبات الاقتصادية، وتعويضها عن كل الخسائر التي نتجت عنها لإعادة العمل باتفاق البلوتونيوم.

من الواضح أن التصعيد بين كل من روسيا والولايات المتحدة وصل لدرجة خطيرة، من الممكن لأية حادثة أن تفجر مواجهة من الصعب أن يتم التحكم في دائرتها، التناقض بين روسيا التي تريد الحفاظ على القانون الدولي ومواثيقه والتصدي لسياسة العقوبات التي تمارس من خارج المنظومة القانونية الدولية، والتي تريد الحفاظ على الدولة الوطنية وسيادتها، وبين الولايات المتحدة التي تتعامل بازدواجية سياسية وقانونية وتدعم التنظيمات الإرهابية، وتستخدمهم لتقويض الدولة الوطنية لإحداث تغييرات جيوسياسية تنتج دويلات قائمة على أسس دينية ومذهبية وطائفية لتهيئة أجواء محيطة ليهودية الدولة.

من الواضح أن المواجهة ستتصاعد على كافة المستويات، فالمدقق في الموقف الروسي يدرك أن المصالح الوطنية الروسية تلاقت مع المصالح الوطنية لشعوب المنطقة في الحفاظ على هويتها الوطنية الجامعة المتعددة وحماية كياناتها الوطنية القائمة على أساس القوانين والمواثيق الدولية.