تحل في مثل هذا اليوم الذكرى الـ60 لمجزرة كفر قاسم، التي قتل فيها حرس الحدود الإسرائيلي 49 مواطناً من أهل كفر قاسم، بينهم أطفال ونساء.
تزامنت المجزرة مع حرب العدوان الثلاثي على مصر يوم الاثنين 29/10/1956 والذي تآمرت فيه بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" على مصر بعد أن أعلن الزعيم جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس, فهدف هذا العدوان إلى إعادة السيطرة على القناة ومصر، وضرب حركة التحرر الوطني العربية التي ترأسها عبد الناصر.
وكان من أهداف اشتراك "إسرائيل" في هذه الحرب، خلق ظروف جديدة تسهل لها تصفية القضية الفلسطينية وترحيل المواطنين العرب القاطنين على الحدود الشرقية حسبما صرح العديد من الضباط والسياسيين "الإسرائيليين" في ذلك الوقت، وكان لقسمٍ منهم مسؤولية مباشرة عن المجزرة.
كشف هذه المجزرة لم يكن سهلاً أمام ما قامت به السلطات من محاولات التعتيم وقلب الصورة، واليوم تقوم الجماهير العربية بإحياء ذكرى المجزرة والتنديد بها وبمسبباتها، واستذكاراً للضحايا الأبرياء حتى لا تتكرر مثل هذه الجريمة وأيضا لما تمثله من نقطة هامة في نضال الجماهير العربية الفلسطينية وحفاظها على الهوية القومية وحقوقها على تراب هذا الوطن ومن أجل الصمود والتطور والنمو والمساواة التامة في الحقوق.
لم يُحاسب مُرتكبو هذه المجزرة، وبعد مرور عشرات السنين على مجزرة كفر قاسم ما زالت سياسة التمييز العنصري مستمر ضد الفلسطينيين، ويرتقي في كل حين ضحايا أبرياء من المدنين في الأراضي.
الأحداث حتى وقوع المجزرة
الاثنين 29/10/1956 وهو يوم العدوان الثلاثي على مصر
في ذلك الوقت كان "دافيد بن غوريون" رئيس الحكومة "الإسرائيلية" ووزير الدفاع، و"موشيه ديّان، رئيس الأركان. الجنرال "تسفي تسور" قائد قيادة المركز والمسئول العسكري عن منطقة المثلث التي امتدت من أم الفحم شمالاً وإلى كفر قاسم جنوباً. المقدم "يسخار شدمي" قائد لواء الجيش في منطقة. "شموئيل مالينكي" قائد فرقة حرس الحدود، التي ضُمّت الى لواء الجيش بقيادة "شدمي". "غبريئيل دهان" قائد السريّة المسئولة عن كفر قاسم.
-يقوم الجنرال "تسفي تسور" بإبلاغ المقدم يسخار شدمي وقادة الألوية في تلك المنطقة عن السياسة التي قررها "وزير الدفاع"، دافيد بن غوريون، للتعامل مع العرب في منطقة الحكم العسكري وهي: يجب ضمان الهدوء التام على هذه الجبهة لصالح العمليات في سيناء.
على اثر هذه الأوامر يقوم شدمي بزيادة ساعات منع التجول الذي كان مفروضا على القرى العربية في ذلك الوقت. فمنع التجول الذي كان مفروضا على القرى العربية امتد من الساعة التاسعة مساءا على الطرق ومن العاشرة مساءا داخل القرى وحتى الصباح. وما قام به شدمي هو زيادة هذه الساعات لتبدأ من الخامسة مساءا بدل التاسعة.
-الواحدة بعد الظهر من ذات اليوم
يقوم شدمي باستدعاء شموئيل مالينكي قائد فرقة حرس الحدود وإبلاغه عن قراره إعطاءه مهمة فرض حظر التجول في القرى العربية: كفر قاسم وكفر برا, جلجولية والطيرة, الطيبة, قلنسوة وبير السكة. وأن منع التجول سيُفرض من الساعة الخامسة مساءً من يوم الاثنين، وحتى السادسة صباحاً من اليوم التالي.
شدمي يبلغ مالينكي أن منع التجول هذه المرة سيكون من نوع خاص, سيكون شديداً جداً ويُطبق بيد قوية. ليس عن طريق الاعتقالات بل عن طريق إطلاق النار ويضيف شدمي: قتيل واحد أو عدد من القتلى أفضل من الاعتقالات.
يسأله مالينكي: ماذا عن مصير العائدين إلى القرى الذين لم يسمعوا عن زيادة ساعات منع التجول. يجيبة شدمي "الله يرحمه", بدون عواطف.
يقوم مالينكي بعقد اجتماع مع ضباط فرقته وهم 14 ضابطاً, بينهم الملازم غبريئيل دهان، قائد السرية المسئولة عن كفر قاسم. ويُبلغهم بأمر منع التجول وانه يجب عدم أخذ معتقلين. وكل من يخالف منع التجول يطلق عليه الرصاص لكي يُقتل، وإذا كان هناك قتلى فذلك سيساعد على فرض منع التجول في الأيام القادمة, وكل من يُرى خارج البيت يطلق عليه من اجل قتله.
-ضابط باسم اريه منشس يسأل عن مصير النساء والأطفال؟ مالينكي يُجيب أن مصيرهم مثل مصير الآخرين، فبدون عواطف.
ويسأله منشس أيضاً عن مصير العمال المتواجدين خارج قراهم؟ فيجيب: مالينكي، الله يرحمه كما قال القائد شدمي.
الساعة الرابعة والنصف مساء (نفس اليوم)
-يقوم الملازم غبريئيل دهان بإبلاغ سريته بالمهمة ويضيف عن إطلاق النار من أجل القتل على كل إنسان دون تمييز بين نساء أو أطفال أو رجال أنه "عمل مشروع"
-العريف "يهودا زشنسكي" يقوم بتبليغ مختار كفر قاسم وديع صرصور بأمر منع التجول ويجيب لسؤال المختار عن مصير العائدين: أنه سيهتم بهم.
مع اقتراب الساعة الخامسة كانت وحدات حرس الحدود منتشرة على مداخل القرية وفي الساعة الخامسة تلقوا كلمة السر لبدء العملية وهي "أخضر".
الساعة الخامسة - الضوء الأخضر
أوقفوا كل شخص عائد إلى القرية وتأكدوا من أنّهم من سكان كفر قاسم وأمروهم بالاصطفاف على حافة الطريق، وأطلقوا النار. أبعدوا عن الجثث وأوقفوا مجموعة أخرى من المواطنين وأطلقوا النار عليهم، أخذوا بإعدام مجموعة تلو الأخرى.
وصل عدد ضحايا مجزرة كفر قاسم إلى 49 ضحية، بين أطفال وشباب ونساء ورجال وشيوخ.
وفي البلدات المجاورة قُتل من الطيبة فتىً "14 عاماً" خرج من بيته إلى بيت الجيران. وفي الطيرة قتل رجل ستّيني كان عائداً من عمله في الحراسة. وفي باقة الغربية فُقد أحد الفتية.
التعتيم.. وكشف المجزرة
قامت السلطات بتجنيد كل طاقاتها وأجهزتها لمنع انتشار ومعرفة حقيقة المجزرة التي ارتكبها جنودها. فبالإضافة لمنع التجول منعت أيضاً الدخول والخروج من كفر قاسم, ومنعت النشر وكل ما يمكن أن يدل أو يرمز إليه, وأطبقت الأفواه والتزمت الصمت، وتداول الأمر في الأوساط الحاكمة، بالهمس.
-بعد بضعة أيام يأتي أحد نواب الكنيست العرب في الحزب الحاكم (مبام) في ذلك الحين ويبلغ همساً النائب توفيق طوبي عضو الكنيست عن الحزب الشيوعي عن كفر قاسم, وقام بدورة بإدراج الموضوع على جدول الكنيست إلا أن طلبه رُفض. لكن الأمر بدأ بالانكشاف.
-اضطرت الحكومة إلى إصدار بيان وكان ذلك في 11/11/1956، زعمت فيه أن إعلان منع التجول تم للمحافظة على حياة الناس، وأن عدد من الناس الذين عادوا إلى بيوتهم بعد فرض منع التجول أصيبوا على يد حراس الحدود، وعيّن رئيس الحكومة لجنة تحقيق لتستوضح ظروف الحادث.
لجنة التحقيق:
-قررت لجنة التحقيق بعد استماعها للشهود دفع تعويض 1000 ليرة لكل عائلة وأحالت قسم من المسئولين لمحكمة عسكرية.
-وصدر بعد ذلك عدد من البيانات التي لم تذكر عدد الضحايا واستمر كذلك منع التجول.
-سعى نواب الحزب الشيوعي رفع الموضوع ثانياً على جدول أعمال الكنيست إلا أن ذلك رفض وشُطبت كلمات النواب عن الموضوع.
-20/11/1956 يقوم أعضاء الكنيست توفيق طوبي وماير فلنر بالدخول إلى كفر قاسم، تسللاً مُحاولين جمع الشهادات ومعرفة الحقيقة ودُوّنت الشهادات وقاما بنشر مذكرة وزعت على مئات الأشخاص في الداخل والخارج وباللغة العربية والعبرية والانجليزية. وورد في الشهادات أسماء الضحايا وظروف قتلهم وطالبت بمحاكمة المسئولين.
المحكمة
-قُدم أفراد حرس الحدود الذين قاموا بالمجزرة إلى محاكمة عسكرية استمرت 22 شهراً وامتنعت فيها عن محاكمة قسم من أفراد حرس الحدود أو معاقبة من قاموا بقتل أناس داخل البلدة، ولم تحيل النيابة "شدمي" إلى المحكمة.
- محاكمة مباشرة للجنود في وحدة حرس الحدود، والأمر بسجنهم بين 15 إلى 17 عاماً. وتمت محاكمة الجنود الذين تواجدوا على مدخل كفر قاسم الرئيسي، فقط.
-لم تتطرق المحكمة إلى السياسة الرسمية التي أدت إلي هذه المجزرة.
-شجبت المحكمة أوامر القتل التي اعتبرتها "غير قانونية وغير إنسانية" وألقت المسؤولية على "شدمي". وتطرّقت إلى وجود أوامر غير منطقية وغير إنسانية وغير قانونية وهي غير ملزمة.
التسامح مع الجنود الذين ارتكبوا المجزرة
محكمة الاستئناف العسكرية:
قدم الجنود استئنافاً إلى المحكمة العسكرية العليا حيث قررت هذه المحكمة تخفيف المحكومية التي صدرت بحقهم، ووصلت إلى إلغاء نصف مدة السجن.
-لجنة اطلاق السراح التابعة لجهاز السجون قامت بتخفيض ثلث مدة السجن التي حُكم بها على الجنود. وفي سنة 1960 أطلق سراح آخر مرتكبي المجزرة.
محكمة شدمي
استمرت حملة الانتقاد والمطالبة بتقديم المسئولين الرئيسيين إلى المحاكمة وكذلك بناء على ما قامت به المحكمة الأولى من انتقاد شدمي، أقيمت محكمة عسكرية حوكم فيها، وكان الحكم: تبرئته وعدم مسؤوليته عن المجزرة بحجة انه أُسيء فهم أوامره. أُدين بخرق صلاحياته في زيادة ساعات منع التجول. دفع غرامة قرش واحد.
المجزرة خلدتها العديد من الأعمال الأدبية والفنية، منها أغنية لفرقة الطريق العراقية، وقصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زياد بعنوان "كفر قاسم"
مقطع من قصيدة "كفر قاسم" للشاعر توفيق زياد:
ألا هل أتاك حديث الملاحم.. وذبح الأُناسِ ذبح البهائم
وقصة شعب تسمّى: حصاد الجماجم
ومسرحُها… قرية، اسمها: كفر قاسم .. ؟؟
حديث أفاق عليه الجميع
فظنوه أضغاث حلم مريع، ولكن ..
تقضى هزيع .. وجاء هزيع
وجمد أعيننا الحالمة
وصك مسامعنا الواهمة
صراخ الثكالى
صراخ الصبايا.. صراخ الحبالى
طغى وتعالى
صراخ الشباب الذبيح
ترد صدورهم العارية
وأيديهم الخشنة القاسية
بصاق الرصاص الجموح
صراخ تفجر في أمتي
براكين بالحقد وبالنقمة
وباللعنة المرة
صراخ يهز ضمير البشر
ويفلق قلب الحجر
وينقض متل القدر
يزمجر كالرعد حين يجن
فأصداؤه في النواحي ترن
كأصداء أسطورة من عصور سحيقة
ولكنها ..
رغم ذاك ..
حقيقة .. !!

