Menu

كيستلر ويهود اليوم

د.فايز رشيد

قبل أربعة عقود، وتحديداً في عام 1976، نشر الكاتب آرثر كيستلر كتاباً أمضى سنوات طويلة في تحضيره ليحدث عاصفة هزت أركان دولة الكيان الصهيوني، التي قامت قبل ثلاثين عاماً من صدور الكتاب، في «أرض الميعاد» ( وفقاً للأضاليل التي اخترعتها الحركة الصهيونية، ورسمتها في مؤتمرها الأول في بازل عام 1897)، وهي فلسطين الحاضرة الكنعانية، الفلسطينية العربية الأصيلة. عنوان الكتاب «القبيلة الثالثة عشر ويهود اليوم» The Thirteenth Tribe. لقد فنّد المؤلف (اليهودي النمساوي) في كتابه، كل المزاعم والمبررات التاريخية التي حاول القادة الصهاينة من خلالها، تبرير احتلالهم لفلسطين، وتشريد شعبها وإعلان مدينة القدس عاصمتهم الأبدية الخالدة (كما يزعمون!) بالمعنيين الديني والسياسي، وكل المزاعم الأخرى لتسويغ خطتهم في تهويد القدس، وإعلان يهودية الدولة. لقد دمر الكتاب، كل المبررات القانونية، التي يلجأ إليها يهود اليوم، لمواجهة كل من يفنّد شرعية وجود دولة الكيان في فلسطين، بحجة «معاداته للسامية» إذ إن يهود اليوم كما يشير كيستلر في دراسته الأنثربولوجية، لا يمتون بصلة لا من قريب ولا من بعيد للساميين ولا ليهود الأمس. هذه النتيجة المدهشة، أكدها اليوم علم «هندسة الجينات البشرية» في دراسة صدرت في بريطانيا، نشرتها صحيفة «الإندبندنت» قبل مدة ليست ببعيدة.

انطلق كيستلر في بداية كتابه المترجم إلى العربية عام 1991، بعبارة قال فيها: «كتبت هذا المؤلف، قبل الوقوف على الحجم الكامل للمحرقة الكبرى، التي يقولون إن اليهود تعرضوا لها، بيد أن ذلك لا يغير الحقيقة القائلة إن الأغلبية الكبرى من اليهود في العالم في الوقت الحاضر(تقدر الدراسات المعاصرة نسبتهم ب 90%، هم من أصل أوروبي شرقي، وبالتالي لعلهم بالدرجة الأولى من أصل خَزَري، وإن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن أجدادهم لم يأتوا من نهر الأردن، بل من نهر الفولغا. أجل لم يأتوا من أرض كنعان، بل من القوقاز، التي اعتقد فيما مضى، أنها مهد الجنس الآري، ثم إنهم من حيث التركيب الوراثي أقرب إلى قبائل الهون والآوغور والماجيار، منهم إلى ذرية إبراهيم وإسحق ويعقوب، فإذا ثبت أن هذا هو الأمر الواقع فإن تعبير «معاداة السامية» سوف يكون خالياً تماماً من معناه القائم، ويستطرد: إن قصة إمبراطورية الخزر وهي تبزغ على مهل من الماضي، تبدأ وكأنها أكبر خدعة اقترفها التاريخ في أي وقت مضى.

ولنقف قليلًا عند الفقرة الأخيرة، التي قال فيها هذا الكاتب اليهودي: «إذا ثبت أن هذا هو الأمر الواقع، فإن تعبير «معادة السامية» سيخلو من معناه»، وسيجعل من دولة «إسرائيل»، أكبر خدعة اقترفها التاريخ أكثر من أي وقت مضى. هنا بالضبط تكمن أهمية الدراسة التي أجراها الدكتور «الإسرائيلي» إيران الحايك لصالح جامعة شيفيلد، التي نشرت في مجلة بريطانية علمية شهيرة Genome Biology and Evolution، كما ذكرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية. استدنت دراسة الأخير، التي وصفها بأنها أكبر دراسة وراثية أجريت على الإطلاق على اليهود الإشكناز (موطنهم بلاد الخزر)، إلى النماذج الوراثية المستخدمة في البحث على بيانات الحمض النووي من آلاف اليهود، وخلصت دراسة خريطتهم الوراثية، إلى أن القرى التركية الثلاث - إسكيناز وإشناز وإشكيناز- الموجودة في الجزء الغربي من طريق الحرير القديم، كانت جزءاً من وطن الإشكناز، كما يقول علم الوراثة، وبما لا يدع مجالاً للشك في هذه القرى الثلاث، كانت هي الوطن الأصلي ليهود الإشكناز وليس لهم علاقة مطلقاً بفلسطين. يخلص كيستلر في مؤلفه، إلى أن غالبية اليهود الحاليين ليسوا من أصل آسيوي، أي أنهم ليسوا من أسباط للقبائل الاثني عشرة من نسل يعقوب الوارد ذكرها في التوراة، بل إنهم ينحدرون من بلاد الخزر التي ظهرت في العصور الوسطى، وامتدت حدودها من البحر الأسود إلى بحر قزوين، ومن القوقاز إلى الفولغا، وكانت عاصمتها «أتل»، التي تقع على نهر الفولغا، وهي البلاد التي يسميها كيستلر بالقبيلة «الثالثة عشرة»، التي انتشرت ذريتها في كثير من دول شرق أوروبا، خاصة بولندا والمجر وروسيا.. ويقولون إن لهم الحق في فلسطين!