Menu

عن الوجوه التي تنأى

تعبيرية

حسين الماغوط

- لأنَّ الحلم ليلاً ممتعٌ أكثر من الأمل نهاراً، قد أبقى غافياً حتى تصل بي هذه الطريق إلى تأخير الغياب مرةً أُخرى.

ـ قد يبدو الأمر سخيفاً وغريباً، قد يبدو أكثر سذاجةً حتى، حينها حتى ضجيج الشارع المملّ أصبح جميلاً، ضجيجه لم يختلف مُطلقاً منذ سنتين وأكثر، نفسهُ يتكرر كُلَّ يوم، الأصوات نفسها التي تضحك وتبكي وتُحاوِل أن تتقيأ كُلَّ عقدها في نهاية المطاف، الدرج الطويل نفسه الذي يتلوّن كُلَّ فترة في مُحاولةٍ لكسر روتين سكيريه، هم أنفسهم سبب فتح النافذة فوق الدرج وسكب كأس المياه كُلَّ ليلة.

ـ حينها حتى غرابة وخوف الشوارع التي أدخلها لأول مرةٍ بدت جميلة، كلُّ الحواجزِ والسواتر الإسمنتية بدت غير مؤذية، سجائر وطنيّة رديئة الصنع طوال الطريق سببت وباء حنين في كلّ زوايا الشوارع هذه، محاولة تجنب خوف مرور هذه الطريق من دون أيَّ عناق وداعي باءت بالفشلِ، بِشكلٍ شنيع.

ـ حتى وإن قُلنا إنَّ المسافات لن تسبب حرجاً لأيّ جرح لأن يلتئم، سيبقى أنين كلَّ هذا البحر بيننا يُصرّ على قتل كلَّ شوقٍ لأعود وأمشي في هذه الشوارع وأصعد الأدراج نفسها.

ـ غريبٌ أمر أن يُسبّب البحر بمده وجزره حالة صداعٍ عنيفٍ يعصف بكلَّ ما قد أُفكر به، بكل قطر ةً مالحة هدرت بعيداً عنه، غريبٌ أن يهدأ هذا الصُداع بمُجرد أن أنظر طويلاً لكوكبٍ أحفظه جيداً في يدي، أن أسمع صوت كوكبٍ يحمل معه مفتاح مدّ وجزر هدوء هذه العاصِفة، لتهدأ معه كلُّ نفس يخرج كأنّه موجٌ عالٍ سينقلني حيث أنتمي.

ـ صاروا جميعاً غرباء، كُلُّ الوجوه التي أراها منذ أعوام، ابتعدوا شيئاً فشيئاً، وجهاً يودع آخر بملامح باردة لا تأتي بأيَّ ردة فعل، لم يتسبّب أيّ منهم بأن أعود لأرى في كأس ما منقذاً من اهتراء طريق وأنا أمشي فيه لأكون بمكانٍ يفسح مجالاً لأرمي كلَّ هذه الوجوه التي ارتديتها عندما تحوّلوا جميعاً لغرباء مختلين.

- يأسٌ من أن يعود وجهاً لطيفاً يرى قسوة كلَّ يوم بِسخرية وابتسامة صغيرة لكل شيء، حتى النعوات وصور السياسيين المضحكة التي تملأ الشارع، يأسٌ بألا يعود هذا الوجه غير المبالي بيوم غد إن كان سيأتي مُبكراً على غير عادته أم لا، اعتاد بِوحدته أن يرى شمساً واحدة كلَّ أيام عدة، يأسٌ بأن يعود هذا الوجه الخائف من رؤية الوقت يمضي بضجيجٍ فارغ، يأسٌ أيضاً، بأن يعود وجهاً يقابله بالقسوة، مبالٍ بكلّ هذا الوقت، يملك ترسانةً لا بأس بها من دمع يُدلّك بهِ حزنه، وحيدٌ بسخف، كسخف استعداده بأن يكسر ملله بغرق واحد.

ـ يأسٌ بأن يعود الوجهانِ على قيد الحياة، يأسٌ بِأن يعود مللاً تعايشا معه بسلام، يأسٌ بأن تعود وحدةً ألفاها وبنيا جدار تخليدٍ لها، أبحث عن وجه جديد أرتديه الآن، أشعر بالبرد قليلاً.

ـ قد يبدو الأمر سخيفاً قليلاً، أكثر سذاجةً حتى، أنَّ عدم ارتداء أيِّ وجهٍ ليس بالسوء الذي يُحكى، أن تقتل كلَّ الوجوه التي ربيت في غرفةً واحدة على أنّها كوكبٌ كامل لا شيء خارِجه، أن ترتكب بحق هذه الوجوه مجزرة أنَّ لا وجود لأيّ شمس قريبة ينتظرونها لأعوام، أن تدفن هذه الوجوه بشوق محاولة غرق، ونجاة من بعد مقرف، أن أبقى بلا أيّ وجهٍ، سوى فراغ واحد، علّه لا يقبل الغرق خياراً أثناء المشيَّ فوق كُلِّ هذا الركام.

المصدر: شباب السفير