Menu

جداريات عن جداريات تفرق

الداوودي

سامي الداوودي

عندما توفي والدي الحبيب ورجعتُ إلى غزة في شباط سنة 92 كانت الانتفاضة المجيدة ما زالت مستمرة ولو أنها كانت بوتيرة أقل من السابق لمواضيع يعرفها التاريخ، بدءاً من مباحثات مدريد إلى رائحة أوسلو التي بدأت قد تنتشر في الجو، مع كل هذا كان الاحتلال لا يرخي قبضتهُ التي يحاول أن يجعلها محكمة على غزة من منع التجوال إلى إجراءات تعسفية ومواضيع عدة...

ما أثارني هو استخدام الجدار من قِبل نشطاء الانتفاضة كمنشور أو لوحة جدارية تخاطب الجميع؛ بدءاً من النداء إلى الإضراب إلى زف أسماء الشهداء ومن التنديد بالاعتقالات إلى التنويه لشيء مهم، أضف إلى هذا شتى الشعارات الثورية الغنية من توقيع القيادة الموحدة إلى رموز التنظيمات بشكل عام أو ما يوحي إليها برسوم لقبضة أو لكلاشينكوف أو للأقصى وكلها اختلطت وتمازجت برتابة عفوية.

كان الاحتلال يفرض غرامة مالية لِمَن يرى على جدار بيتهم أو مكان عملهم أي شيء يمت للانتفاضة بصلة، لم تكن الغرامة تمنع الغالبية من الشعب أن يترك المنشور إلى غاية أن يدق الباب جنود جيش الاحتلال ويجبرونَ أهل البيت بمحو المنشور أو ما رُسم على جدارهم، لذا كان أهل غزة عموماً يقتنون أي نوع من الدهان البلاستيكي أو الزيتي ومِن أية ألوان تقع عليها أيديهم كي يغطوا بها المنشورات وما كُتب وخُطط على جدارانهم إذا اجبروا على ذلك.

 هذا لم يكن ليمنعهم في هذه العفوية أن يبدوا مهارة في ضربات فرشاة في مختلف الاتجاهات كأنها فرشاة فنان استخدم تعدد وطبقات الألوان المختلفة وسمكها وطبيعة التضاد بها من ناحية وكثافتها هنا وشفافيتها هناك.

هنا نرى أن جميع الأحرف المخططة بالرقعة أو الديواني قد بان جزء منها وهنا فرشاة عَجِلة تمحو كل شيء ما عدى أجمل حركة فنية لحرف مُخطط بإحكام جميل تراه.

 ترى هناك شعار لفصيل من منظمة التحرير وتارةً هنا لفصيل آخر.. تلمح عيناك سريعاً بيان تُرك وحدة مع ثورة الوان وكأنها قُصدت عن عمد وبجانب ثورة الألوان هذه ما زال البيان طازج، كُتِبَ وشعار تحبهُ وقريبٌ لقلبك بهزُ مشاعرك ولم يزل كالصقر يجثم على اختلاط هذه الالوان العفوية الرائعة...

كان الأكثر إثارةً لي (كوني كنت طالب أدرس الرسم في أكاديمية معمار سينان) هو اللوحات التجريدية التي خرجت بعفوية من يد شعب عنيد مقاوم يرسم فن الحياة ويناضل بعناد، فقررت أن يكون مشروع تخرجي هو جداريات غزة بثورتها بالألوان وكان لي ان دافعت في مشروع تخرجي عن هذا وبجدارة.

عندما رجعت إلى غزة في المرة الأخيرة كانت في آذار 2014 واستمر وجودي في غزة مدة تقارب الستة أشهر، كنت أدقق في جدار المنازل وأبحث بشغف عن شيء هو جزء مني حي وأكثر ما كان يلفت انتباهي هو نماذج البهرجة والزخارف المبتذلة والخط الرديء والتهنئة بالعريس كذا وآل فلان وبيت علان يرحب بالضيوف الكرام والتهنئة بالحج المبرور والسعي المشكور ولون واحد يوحي بأن فكرة واحدة ترى الرواج، هي التي تسيطر بشكل مُحكم حتى على الجدار الذي اصبح بلون واحد وشعار واحد وباسم تنظيم بنفس اللون الواحد بعيداً كل البعد حتى عن تعدد الألوان وثورتها..

لم يلفت انتباهي غير تلك الجدارية التي تقع مقابل الجندي المجهول وإن كانت بصيغ فنية أخرى، قبلها لم أرّ شيء أثار مشاعري السابقة، عندما وقعت عيناي المرة الأولى عليها كانت في بداية العدوان الهمجي وحتى في أوجهِ, ونحن نمر من أمامها طلبت من صديقي الغالي "نافذ" الوقوف كي ألتقط صورة لهذه الرائعة عن طريق تلفوني أجابني بالرفض قائلاً؛-" أتريد أن يقصفونا مباشرة الآن"... في المرة الثانية ونحن نمر من هناك، طلبت منه الوقوف بإصرار ونجحت بالتقاط الصورة وشاركت بها أصدقائي المفترضين عبر الفيس.

 بعد الحرب الهمجية على غزة رأيت أكثر من رسمة لها معنىً ومعاني تعبر عن الحرب والخراب ولكن ومع كل جمالها ومعانيها لم تُثر بي شعور كالذي عشته وأنا أنظر إلى جداريات الانتفاضة.

كانت الجداريات بتعددها اللوني الثائر تعكس الموقف والحياة مرةً بردة فعل عفوية ومرة بعناد وإصرار مناضل وحدوي يعي معنى الحياة والعيش بكرامة...