Menu

... وأنا أدور وأنت عارفٌ

وأنا أدور

زينب ترحيني

كتبت منذ قليل في محرك البحث غوغل سائلةً عن علاج سريع للأرق والهلوسة. لم أجد شيئاً نافعاً. 

لا  أرغب بلعبة الأحلام هذه. أريد نوماً طبيعياً. 

أنا من انا؟ أبحث عنّي. أعلنها للمرة التاسعة عشر أنّي باحثةٌ عنّي. هل من يجدني؟ 

عمّتي اتصلت قبل ساعات لتخبرني أني آيلةٌ لموت أكيد. هللويا عمّتي. هذه معلومة جديدة. كيف وصلتِ إليها؟ هل تذكرين عمّتي يوم ذهبنا للبحث عن "الفطاريش". كنّا نغني سوياً "يا فطروش القمّوري قوم تعرّم قدّامي". وفعلاً يومها عدنا إلى البيت بكومة من الفطر لا نهاية لها. أتذكرين؟ ويومها راح أبي ينظر إلى "الجاط" الأحمر المملتىء فطراً بفرح كامل. كان مستغرباً تلك الوجبة اللذيذة الجاهزة. لا ينقصها إلاّ قليلٌ من البصل. هذا الشيء الوحيد الذي يذكّرني بوالدي. 

لا أريد شيئاً سوى أن تكون أمي هنا معي. تفرح بينما ترفع رجليها إلى الحائط، لا شيء يُقلق راحة هذه المرأة. أريد أمّاً لا صراخ في وجهها ولا معارك، أمّاً صافية منزّهة عن نزاعاتنا. أمّاً تبحث عن سعادتها تاركةً سعادتي شأناً داخلياً. ألو؟ ماما؟

شفتاي تشعران بخدر قليل. ما هذا؟ هذا نتيجة موسيقى تصدح في غرفتي أم نتيجة حبّ منتظر؟ لا فكرة لديّ. هل من يُفيدنا من الرفاق؟ هذا ما هذا يا رفاق؟ موت أم فرحٌ قادم؟ مدينة ترتمي في أحضاننا أم موتٌ يقترب أكثر وأكثر؟ 

أرسلت اليوم رسالة لصديقة عتيقة لا أعلم عنها شيئاً. أخبرتها عن حبّي لها. كنت أكذب. ولكنّي تذكرتها. ولكنّي أحبها. لا فكرة واضحة في رأسي. هائمة أنا في مدينة لا قصص لي فيها. أهيم لا أكثر. أهيم وأحكي قصصاً صحيحة محاولة إخفاء الكثير الكثير من الحزن، هل من يعلم؟ 

يومان وأنا لا أستيقظ. أكتئب. وهذا معلوم. هذه قصص مشتركة يا رفاق. صحيح؟ 

تدور غرفتي التوّ التوّ، تدورفي حلقات حلزونيّة. صورته بين العينين، بين عيني. أحاول الكتابة ولا أنجح، وهو سعيد. وانا أكتئب. أعلم كل شيىء عنك وأنت ساهٍ. تباً لك مراراً وتكراراً. تبا لك من اليوم الذي علمت أنّي غرقت فيه ولم تكترث. تبّاً لك من اليوم الذي قرّرت فيه النوم وأنا أنتظر. تبّاً لك كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة. تبّاً لك، ما هذا الكمّ من الحقارة وأنا أُصرّ على حبّك؟ لو تموت؟ سأموت.  

فشلٌ يدور في الغرفة. وأنا حائرة. وأنا أدور.

جبل من الجليد أمامي وأنا أدور. ابرة في يدي وأنا أدور. أشعر بيدي تتمدّد على وجهي بينما أسأل: الغد؟ نعم الغد هل هو أفضل؟ هل هذا ما أبحث عنه فعلاً؟ 

كآبتي بدأت من بعد قصصك الكثيرة. هل أخبرك أحدٌ قبلي أنك رجل حقير بمستويات عالية؟ طيب، وهذا رقصٌ في غرفة تتلألأ من دون قصص جديدة. أحلام وأحلام كثيرة، والمعلوم أنها كلّه لو حدثت لن تثنيني عنك. 

أخي يصل مساء اليوم ليفرح، بينما أنا أترنّح هنا باحثة عنّي ولا أجدني. 

أكتب لأن لا شيء لي أفعله. وأنت خير العارفين. أنت عارفٌ بكلّ شيىء وأنا أدور. 

هذا البياض من حولي وأنت وقصصي وأمي في فلك يدورون. أكتب لك. هل ترى؟ هل تسمع؟ هل من أحد هنا؟ هذا بيتي يترامى على الميلين وأنا واقفة هنا. 

غداً يومٌ آخر. غداً سأذهب لملاقاة الناس، لأشرح لهم أنّي باقية هنا سعيدة فرحة بالآتي. أنا هنا أكمل الطريق. وسأفعلها. 

هل من يسمع؟ أمي تقول أني ذاهبة لملاقاة ربي بلا صلاة، أبي لا يعرف شيئاً عنّي، بينما رفاقي يترنّحون حبّاً وفرحاً بي. 

لا شيء لي في دنيا آيلة إلى نهايات تعيسة. 

أرغب بتجويد لا ينتهي، وبقرآن أفتحه كلّ صباح لأستدلّ إلى يومي. هذا ما هذا؟ هذه كآبةٌ لا فائدة منها. هذه تعاسةٌ لن تثمر إلاّ موتاً قريباً. أنا من أنا؟ هل من يبحث معي عنّي؟ أفتح القرآن صباحاُ وأستجيب. وأبدأ نهاري بقناعات راسخة أنه كاذب وأنّي من بؤسي أصنع فرحاً. 

وهذا كلّه صحيح. وهذا كلّه وحيٌ من الله.