تناول العناوين المدرجة في عنوان المقال، لها أهمية قصوى – من وجهة نظري – في هذه اللحظة، وذلك لعدد من الأسباب أبرزها ما يلي:
أولاً/ أنها تأتي من شخص له وزن وثقل ودور ومكانة، لم يحظى بها أحد مثلما حظي بها جورج حبش، وقالها ومارسها وهو في موقع الأمين العام، ولم يكن متحرراً منه بعد. أي قالها ومارسها ارتباطاً بالتصاقه بالداخل وكمسؤول أول في حزب فلسطيني رئيسي، طبعاً بالنسبة لي يبقى جورج حبش إنساناً/بشراً يخطئ ويصيب.
ثانياً/ أن الحزب السياسي ليس مِلكاً حصرياً لأعضائه، بل هو ملكية عامة، طالما رفع أهدافاً وطنية واجتماعية عامة. وتتأكد عمومية الحزب السياسي بأهدافه الوطنية والاجتماعية المعلنة أكثر في سياق الصراع التاريخي الذي نخوضه كفلسطينيين مع المشروع الصهيوني. بحيث من الضرورة الحيوية أن تستقيم حالة "المؤسسات الفلسطينية"، التي تعيش واقعاً مزرياً من التراجع والفوضى والتفكك والانقسام، وغياب الرؤية والأهداف الواضحة والجامعة، ومدخل هذه الاستقامة، استقامة الحزب السياسي بنيةً وبيئةً ووظيفةً ودوراً وأداءً.
ثالثاً/ تعزيز مفاهيم ومفردات مثل: حرية الكلمة والرأي والاختلاف وتقبل الآخر وثقافة التسامح، ليست شأناً سرياً للتعامل معها في الأطر المغلقة، بل تتأسس في الذات الواحدة، وتنطلق بأفق أرحب نحو الذات الجماعية، وأي محاولات لقصرها على أدوات ووسائل باتت تحتكر الحقيقة أو تدعيها هو مصادرة لها أو محاولة لاحتوائها على أقل تقدير. ومن يتأسس على تلك المفاهيم/القيم، لا يقصد الفوضى أو التسيب بالمطلق، بل هو الأكثر تأكيداً على الالتزام والانضباط والأصول وعدم ضرب النظام.
تأسيساً على ما تقدم، إن الوثائق والكلمات، مهما كانت جميلة ومنمقة تفقد قيمتها الحقيقية، عندما تجافيها الممارسة، أو تأتي بنقيضها، ولعل القدوة والمثل والنموذج في تحويل الأقوال إلى أفعال أو ممارسة منسجمة ومتناغمة معها، يقع في البداية على عاتق الرأس القيادي/الهيئات القيادية/العقل المفكر في أي مؤسسة أو حزب، ومن المؤكد أن "الحكيم" كان يدرك محورية ومركزية الدور القيادي في الحزب فنجده يقول: "القيادة أولاً". وعليه نجده يحذر من أن يلحق بالحزب وخاصة قيادته، الأمراض التي لحقت بجسم الثورة من جراء العمل العلني والظاهرة العلنية والتأثر بالقيادة المتنفذة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأشار إلى بعضها بوضوح، "كالبيروقراطية والمراتبية والخمول، والابتعاد عن الجماهير وشعور القواعد بشكل عام بأن الأوضاع القيادية، لا تمثل المحفز والإحساس بالفارق الكبير بين شعاراتنا وبرامجنا وقدرتنا على تنفيذها".
ليس أوضح مما سبق، من قول فصل حول الأمراض التي تتعرض لها الهيئات القيادية، ما يترتب عليه من ضرورة أن يكون التجديد بالكوادر الشابة والواعدة التي تتمتع بدرجة عالية من الوعي والكفاءة والكفاحية والأداء العالي والالتصاق بالحزب ودوره الوطني والاجتماعي، مطروحاً بقوة على جدول الأعمال، وفي هذا يقول "الحكيم" : "إن فهمي للتجديد لا يقوم على أساس أنه موضة لا بد أن نمارسها، ولا يقوم على أساس شكلي أو ردة فعل على أحداث جرت في هذا العالم.. إن التجديد ضرورة موضوعية وعملية دائمة ومتواصلة يفرضها منطق الحياة والتطور، وصيرورة تشمل كافة جوانب عملنا، والتجديد ليس كلمة تقال بل هي مضامين وتغيير جذري لأسلوب وطرائق عمل أصبحت بالية.. والتجديد في جوانب العمل يشترط بالضرورة التجديد في الهيئات القيادية التي يجب أن يتم ضخها باستمرار بالدماء والأفكار الجديدة".
منذ بداية ثمانينيات القرن المنصرم، إن لم يكن من قبل ذلك كان يعي "الحكيم" والجبهة عموماً أن الوضع الإقليمي والدولي دخل مرحلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، وأن خروج قوات المقاومة الفلسطينية من بيروت سيترتب عليه استحقاقات سياسية كبرى، خاصة وأن القيادة الرسمية الفلسطينية المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية بدأت تعلن جهاراً تساوقها مع الحلول الأمريكية المطروحة للتسوية أو التصفية بمعنى أدق وأوضح، ورأى في ذلك الوضع رغم ما يلحقه وألحقه بالحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية والنضال الوطني المشروع ضد الوجود الصهيوني في بلادنا، فرصة يمكن البناء عليها، في مواجهة هذا النهج وأصحابه "لهذا نصبح أمام استحقاقات البديل الثوري فإما نحن وإما غيرنا، فلا مكان للفراغ في الطبيعة كما الظواهر الاجتماعية".
ولكي يكون هذا البديل ثورياً بنية وهياكل وأعضاء وقيادات وبرامج وأداء، فلا بد أن يكون ديمقراطياً بالضرورة، يحفظ لحرية الكلمة دورها ومكانتها، وكذلك ديمقراطية العلاقات الداخلية، وانعكاساتها الخارجية أولا مع الجماهير ومن ثم القوى والتنظيمات والمؤسسات الفلسطينية. وكان يرى خطورة أن ينغلق الحزب على ذاته، ويتحول لأداة قهر وقبر للأفكار والأفراد، بما يوصل لأن يودي الحزب بنفسه ومن صنع يده أو رأسه "قيادته" بمعنى أدق، فنجده يؤكد على: "توفير البيئة الديمقراطية والفاعلية الفكرية لأنها الحل المناسب في إدارة التناقضات الداخلية في الحزب، بهدف انضاجها وتوظيفها ايجاباً، فالتنوع وصراع الأفكار هو مصدر إثراء وإغناء طبيعي لمن يُقدّرها ويعرف كيف يستفيد منها، لأن التكامل والتماثل لا يعني سوى الموت والركود الذي يقود إلى ديكتاتورية الرأي الواحد، فيتحوّل الحزب إلى قوة طاردة بدلاً من أن يكون مركزاً جاذباً للطاقات الاجتماعية".
ولعل في ممارسة الحكيم، ما يدلل على وعيه من خطورة توظيف القوة سواء المادية أو المعنوية، في مواجهة المختلفين داخل الحزب، بما في ذلك أولئك الذين شكلوا ظواهر انقسامية أو انشقاقية، ومنهم من انشق فعلاً، فنجده أثناء تحمس بعض الرفاق في الهيئة القيادية للجبهة، لاستخدام القوة ضد رموز المنشقين من الجبهة الديمقراطية، أواخر ستينيات القرن المنصرم، يعلن شعاره: (الطلاق الديمقراطي) العميق بالوعي وحفظ حق الاختلاف وعدم اللجوء للقوة في حل التناقضات الداخلية، حتى وهو يدرك دور الجهات الخارجية في ذلك. وذات الأمر جرى في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، عندما هتفت مجموعة ممن كانوا يعتبرون أنفسهم أصحاب "رأي" في الجبهة ضد الحكيم شخصياً وأمام مكتبه في بيروت، ودعوه لأن يذهب ليصبح "راهباً في دير"، وحاول بعض مرافقيه التعامل بالقوة معهم، فرفض ذلك، ونزل يحاورهم بنفسه، فيما عرف بعد ذلك باجتماع (29)، بل وتبنى بعض مطالبهم، التي رُفضت من قيادة الجبهة حينذاك.
فمن أقوال وممارسة "الحكيم" نستنتج أن الحوار الجدي مبني على حرية التفكير. إذ لا حواراً حقيقياً، بدون حرية التفكير، الذي تحميه بل وتهيئ له البيئة التي ينمو بها. وأمام حرية التفكير، لا يستطيع أحد احتكار الحقيقة أو ادعائها. فالتجربة المريرة التي عشناها ولا زلنا، تضع أمامنا الكثير من العِبر والدروس المستفادة، التي تحفزنا لأن نمتلك جرأة وشجاعة وصراحة الحوار وطرح الأفكار، حتى وإن كنا مختلفين حتى التناقض "الذي فيه حياة"، ولنطلق العنان للحوار مع الفكر الآخر لعل فيه الكثير يتلاقح، بما يفتح للبحث الدائم عن الحقيقة، والاجتهاد، والتجدد، والإبداع طريقاً، لأن عكس ذلك يعني التدمير المستمر للذات.
وعليه، لم يكن إيلاء "الحكيم" جورج حبش الأهمية والخصوصية للبعد التنظيمي وما يرتبط بها من عمليات، سوى سعياً لتوفير الأداة التنظيمية الصلبة والنواة الكفاحية، التي تتوفر فيها اشتراطات عالية المستوى، فكرياً وعلمياً وعملياً وكفاحياً، فبغير ذلك "يصبح الحديث عن المواجهة والتصدي والمشروع الوطني الفلسطيني التاريخي ضرباً من الكلام غير المستند لأسس واقعية وصلبة، وهنا سيواجهنا التحدي الكبير، وهنا ستقرر نتائج الكثير من المعارك والطموحات".
أخيراً، التميز بالجرأة والوضوح والمصداقية والكفاحية العالية وعدم محاباة الذات، بل والوقوف أمامها باستمرار، صفات تتركز في "الأحزاب الحية"، التي اعترفت بأزمتها الشاملة، ومن بوابة الاعتراف بالأزمة كان يحدونا أمل الخروج منها، والدخول في مرحلة البديل الديمقراطي الثوري حقاً، خاصة وأن المشروعين المتصارعين والمنقسمين في السلطة، وصلا إلى مأزق كبير لن يُحلّ إلا على حساب حقوق وأهداف وطموحات الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية... ولا زال يحدونا الأمل.

