التاريخ لا يرحم أحدا، والواقع عنيد رغم مرارة الحقيقة، ويفرض علينا أن نقف وبكل جرأة أمام جماهيرنا الفلسطينية لنعلن أننا جزء من منظومة الخذلان والتراجع في عملنا النضالي، وأننا ساهمنا بقدر أو بآخر في خفض منسوب حالة التصدي لنهج التفريط والاستسلام الذي مارسته سلطة أوسلو باسم السلطة أحيانا أو باسم هيئات ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وساهمنا بقدر كبير في نهج القيادة المتنفذة بتحويل كافة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية إلى واجهات ديكورية أو حبة من مطعوم لمريض يعطى عند اللزوم.
سياسيا تمترس اليسار الفلسطيني ومعه كل الرافضين لنهج أوسلو خلف موقف الرفض لسياسات هذا النهج دون تحويل هذا الموقف النظري إلى برامج وأدوات عملية تخرج الشعب الفلسطيني من قمقم أوسلو، وكأن أوسلو أضحى قدر وقضاء شعبنا ولا نملك سوى الدعاء لله بأن لا نسأله رد القضاء ولكن نسأله اللطف به وهذا يعود لسببين رئيسيين:
الأول: عدم امتلاك الرؤى والبرامج والأدوات النضالية لما بعد أوسلو وكأن أوسلو يشكل سدا مانعا لنضالاتنا وقدرنا الذي لا مناص منه، ألم نقارع الاحتلال ما قبل أوسلو في المدينة والقرية والمخيم وبأيدي لا تملك سوى الحجر وقدمنا الشهداء والجرحى والأسرى وخضنا كل أشكال النضال الجماهيري من مظاهرات واعتصامات وأسقطنا العديد من المشاريع المشبوهة كروابط القرى والحوارات المشبوهة مع الاحتلال؟
كل هذا لأننا اعتمدنا على جماهير شعبنا في الشارع الفلسطيني ولأننا كنا الطليعة القائدة لهذه الجماهير التي كانت تنتظر بيانات القوى السياسية لتسارع في تنفيذها ولنا في الانتفاضة الشعبية دروسا وعبراً ، إذن ما يمنعنا من العودة إلى الجماهير ونزولنا للشارع ونعلن رفضنا لأوسلو وسلطته وكل هيئة منبثقة عنه ونقارع الاحتلال في كل المواقع ونفرض واقعا جديداً على الأرض ونتعامل مع السلطة بمدى توافقها مع برامجنا النضالية فيما إذا لم تختر الانحياز لجانب الاحتلال ولتكن كذلك فلنا في مقارعة روابط القرى دروس وعبر.
السبب الثاني: أن الانتفاع المالي والفئوي المصلحي لبعض قوى اليسار الفلسطيني شكل مانعا في اتخاذ مواقف سياسية مناهضة لأوسلو ونهجه، وسلطته جعل اليسار الفلسطيني شريكا لهذا النهج الذي استغول على كل مؤسسات وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية وحولها إلى مؤسسات ديكورية، وبالتالي البقاء في هيئاتها يشكل جرماً تاريخيا سيحاسب عليه كل من ارتكبه والجماهير لا ترحم، وهنا لنا تجربة تاريخية في جبهة الرفض التي جاءت رداً على انزلاقات اليمين الفلسطيني ولنا في الداخل الفلسطيني تجارب جماهيرية كلجنة التوجيه الوطني كاطار ضم كل القوى الوطنية الفلسطينية المناهضة للاحتلال.
إننا على الصعيد الوطني نتحمل جزءا كبيرا في ضياع العنوان الوطني لجماهيرنا الفلسطينية في الداخل والشتات بعد أن فقدت هذه الجماهير ثقتها بأن هناك قوى قادرة على التمايز عن نهج أوسلو، وأن اليسار الفلسطيني قادر على لجم نهج التفريط والاستسلام وهي تراقب كيف يتم التنازل اليومي عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ويراقب حالة والانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة ومصادرة الأراضي وتهويد القدس ، بحيث لم يتبق من أرض فلسطين عشرها والعدو الصهيوني يتمادى في إجراءات قتل حلم امكانية قيام دولة فلسطينية ولا نحرك ساكنا لا بل تمادت سلطة أوسلو في تعزيز الانقسام وتغولت على كل ما هو وطني بدءا من حركة فتح التي حولتها إلى جيش من الكتبة والفاسدين إلى باقي مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني التي أصبحت عبئا على العمل الوطني وتحولت سلطة أوسلو إلى سلطة أمنية تخدم للاحتلال الصهيوني وتحولت حركة حماس في غزة إلى سلطة حاكمة تنسج أحلافها الإقليمية والدولية مع أعداء شعبنا وأمتنا تركيا/قطر وتعزز الانقسام على طريق بناء سلطة موازية لسلطة أوسلو، والتحضير لذلك عبر مؤتمر اسطنبول في ظل هذه الأوضاع المأساوية لجأت جماهيرنا الفلسطينية في الشتات للبحث عن بدائل وطنية توقف هذا الوضع الخطير لأنها فقدت الثقة بالعنوان الوطني الفلسطيني المخلص وما نشهده من مؤتمرات وفعاليات للجاليات الفلسطينية شاهد حي حتى مؤتمر أسطنبول الذي نعي أهدافه والجهات الراعية له يحمل اليسار الفلسطيني جزءا من مسؤولية حدوثه لأنه لم يعد عنوانا لهذه الجماهير.
إن مجمل ما أوردته يتطلب وقفة وطنية حقيقية للتصدي لأدق مرحلة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني ولنحرك معول النقد الأداة الفاعلة في ظروف التراجع النضالي على الصعيد الحزبي الداخلي والصعيد الوطني العام والعودة إلى الشارع إلى جماهيرنا، قاعدتنا الحية لنكون بحق حزب الجماهير الشعبية ونكون الأداة الرافعة لمستويات نضالها والموجه الحقيقي لبوصلتها أو فلنعلن أننا لن نملك القدرة على قيادة دفة هذه الجماهير، ونطلب من الله ليس رد قضاء أوسلو ولكن اللطف فيه. لنستثمر الأوضاع السائدة على الصعيد القومي العربي من حالة الانتصار التي حققها محور المقاومة سوريا/حزب الله ومعادلة توازن قوى الردع العربي المقاوم التي فرضها انتصارات الجيش العربي السوري على أبشع هجمة كونية ونتسلح بالقدرات العسكرية الصاروخية التي حققها حزب الله والمقاومة اليمنية لتشكل عمقنا العربي وفرض معادلة نضالية رافعة ومساندة لنضالنا الوطني لنكون بذلك قد استثمرنا وبشكل خلاق عمقا عربيا لم يكن متوافرا في أي مرحلة من مراحل نضالنا الوطني ونعيد التفاف جماهيرنا الفلسطينية والعربية حول قضية فلسطين كقضية مركزية ونكون جزءا من حلف عربي مقاوم ورافض لنهج أوسلو ويقف بكل اقتدار أمام حالة الانهيار للنظام العربي الرسمي الذي أكمل مسيرة انهياره التي بدأت بعد حرب أكتوبر ٧٣ التحريكية ليرتمي في أحضان الكيان الصهيوني في حملة تطبيع رسمي وعلني غير مسبوقة وتشكيل أحلاف عسكرية وتعاون استخباراتي وتعاون اقتصادي وشن حروب بالوكالة عن هذا العدو كما يحدث في اليمن ولنا في رؤية الدكتور جورج حبش الذي أبدع في ربط النضال الوطني بما هو قومي دروسا هامة تنقذنا من أحلك ظروف التراجع الوطني عبر الهروب نحو عمقنا العربي لنقطع الطريق أمام محاولات العدو التركي من التغول على أمتنا العربية وقضيتنا الوطنية، خاصة أننا نستند الآن وعلى الصعيد العالمي على حلف تبلور بعد الحرب الكونية على سوريا شكلت روسيا/الصين/إيران محورا له قادرا على أن يكون حليفا مساندا لنضالنا الوطني والقومي لتناقض مصالحه مع الحلف المعادي لطموحات أمتنا العربية وقضيتنا الوطنية متمثلا بالإمبريالية الامريكية/الكيان الصهيوني/الرجعيات العربية وحلفائه الأوروبيين.
إننا امام مسؤولية تاريخية بحاجة لأدوات نضالية عملاتية لأن خطوة عملية واحدة خير من دزينة برامج، ولنقف أمام أنفسنا وكوادرنا الحزبية على الصعيد الداخلي نعمل كخلية نحل لا تمل نصوغ الخطوات العملية لنهج مقاوم للاحتلال الصهيوني ونهج أوسلو وملحقاته ونتصدى لتغول حركة حماس الشريك الموازي لسلطة رام الله وفضح محاولاتها نسج أحلاف مشبوهة تهدف إلى تأسيس كيان سياسي شبيه وموازي لكيان رام الله بدعم قطري/تركي بعلم وموافقة الاحتلال الصهيوني مستثمرين حالة العداء العربي لتيار الإخوان المسلمين بعد انكشاف دورها المعادي لقوميتنا إبان الحرب الكونية على سوريا وجماهيريا، ونعلن رفضنا العملي لهذا النهج ونقدنا لمجمل سياساتنا والتبرؤ من سلطة أوسلو والهيئات المنبثقة عنها ونكون بذلك تيارا طليعيا جماهيريا ولتبدأ بذلك القوى السياسية اليسارية الأكثر طليعية.

