Menu

عن بيولوجيا غزة

غزة حبيبتي

عروبة عثمان

ليس هناك أصعب من أن تكون الحياة البشرية قد خَبُرت معنى الموت أكثر من نظيرته، فيستمد الموت شرعيته من تصنيف فجّ حول جدارة الإنسان بالحياة. على مدار سنوات طويلة، وأنا أعيش ذاك الاختبار البيولوجي في غزّة. أن تكون هناك يعني أن تكون مستباحًا، وحياتك مكشوفة على الموت بدرجة أكبر. لأن غزّة هي مشكلة متعدّدة المؤهّلات، كانت البيولوجيا هي الحلّ، والسلطة على الحياة والموت بأدواتها. قضيت أكثر من نصف عمري هناك بمفردات المنع والسماح. ممنوع إدخال النوع (س) من الأدوية. ممنوع إدخال الصنف (ص) من السلع الغذائية. مسموح إدخال الإسمنت، لكن بكمية مقنّنة، ومعرفة هوية الجمهور سلفًا. ومع كلّ حرب جديدة، كان الخناق على البيولوجيا يزداد، بل تتحوّل إلى كائن غريب مسخ تتعلب داخل الحياة الإنجابية الطبيعية، وإحصاءات السماح والمنع، وحاجات الحياة التي تظن أن العالم بأسره تجاوزها منذ زمن، وانشغل بالرفاه. المساومة في غزّة هي على الحياة، بل وعلى سيرورتها والمعنى الذي تعيش لأجله. هي المساومة الأعنف على مأكلك ومشربك وصحتك ومياهك وكهربائك وهوائك وبحرك ومقاومتك وحتى سعادتك ونَفَسَك.

صباح وشيرين ومحمد، ثلاثة أطفال فُجعت رفح بمقتلهم قبل أيام. قيل إن القاتل هو والدهم الذي يعاني من حروق درجة ثالثة بنسبة 100%، بعد أن فتح أنبوبة الغاز تجاه أولاده ونفسه. حادثة صادمة أجّجت عند البعض هاجس العلاقة بين الأبوّة والبنوّة، وتساؤلات مشروعة حول العنف الأبوي الصامت والمكبوت. لكن عنّي، لا يمكن لي أن أتخيّل أن ثمّة أبًا يمكن أن يقتل أيًا من ضلوعه بمحض إرادته. نصف الإجابة والسؤال يكمن في السيطرة على البيولوجيا مجدّدًا. الأب مريض كان يعاني من فصام نفسي، ويحتاج لأدوية محدّدة مدرجة على قائمة المنع أيضًا. هو ضحية المساومة تلك إذن، بل ضحية الخضوع لحسابات البيولوجيا الاستعمارية التي تجعل من كل غزّي مشروعًا لـ"الميّت الحي"، أو ربما حيّ مع وقف التنفيذ. والأنكى هو الإفراط في اعتبار غزّة حالة قدرية أو متحف كبير يستوجب عليها دومًا وأبدًا أن تدفع فاتورتها من لحمها ولحم أبنائها. ذهب الثلاثة، وذهبت معهم أحلامهم. الأب محروق. الأم مصابة بجلطة دماغية. لا معنى لأيّ شيء بعد هذا سوى أن تكلفة حياتنا في غزّة أكبر بكثير من تكلفة موتنا. بحبك يا غزّة، واشتقتلك، وكوني قوية زي ما عرفتك أو ما بعرف كوني زي ما إنتِ وناسك بدهم.