لم تكن الثقافة عند الباسل وظيفة ولا مرتبة ولا لقباً ولا مراسيماً ولا طقوساً ولا طريقاً للسلطة والنفوذ، بل كانت أولاً وأخيراً نهجاً راسخاً ثابتاً في حياته انعكست سلوكاً وممارسة في أفعاله وكلامه وأفكاره.
ولعل ذلك ما جعله يقرأ ويتعلم وحاور المعرفة والكتب، كيف يتعرف على الأرض التي عشقها كي يميز العدو عن الصديق، الوهم عن الحقيقة، والحلم عن الإمكانية، يحاور ما يتجدد ويستأنف التجديد في تجربته ووعيه لدور المثقف المشتبك، ينهل من تاريخ واسع لأرضه وشعبه وحاضر بالغ التعقيد، ومستقبل يساري الحياة التي بذلها لأجلها.
في حياة باسل تجسيد حي واقعي لمثقف نموذجي يؤسس لمشروع يكون في طليعته حتى النهاية متمسكاً بما اعتقد مطوراً لما قاتل من أجله، مدركا ً بأن الثقافة الحقيقية تكون جماعية جمعية أولا تكون.
آمن بأن درس الأخلاق وأسلوب الحياة لا يمكن نقله بواسطة الكلام، وإنما بحاجة لسلوك أخلاقي نزيه، باسل نموذج عن الشباب الصادق الذي تصوغه الإرادة، اتكأ على إرادته وهو ينتقل من سؤال ثقافي لآخر، اعتمد الإدارة وهو يترجم بمبادئه وثقافته إلى نموذج ثقافي يؤسس لفعل جماعي تحرري عصي على ثقافة الصالونات والثقافات المشوهة ووعيها المسيطر عليه خدمة لعقدة السلطة هنا أو مصالح امبريالية استعمارية هناك متصدياً لكل جرائم التطبيع ومرتكبيها، مخترقاً نظام الهيمنة والسيطرة، باحثاً عن الحقيقة وحاملاً لها بعيداً عن الكلام المنمق والجميل والاقتباسات الجميلة، رغم سنوات الحصار والانقسام والتراجع والتخبط باسل لم تنحرف بوصلته أو يضل الطريق، فجاءت دمائه لتشكّل وتخلق جيش من الشباب الثائر المقاوم المنتفض.
نموذج باسل يمثل الامتداد الطبيعي لنضال شعبنا ضد الاحتلالين البريطاني والصهيوني، والذي يعيد الأذهان إلى رجالات فلسطين التي واجهت بكل الإمكانيات المتاحة الاحتلال البريطاني، كأبطال عكا الشهداء محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، أو قائد الجهاد المقدس ضد الاحتلال الشهيد عبد القادر الحسيني، وكوكبة طويلة من خيرة أبناء شعبنا مروراً بشهداء الثورة الفلسطينية، والانتفاضة الأولى والثانية والانتفاضة الحالية.
إن هذا النموذج الذي جسده باسل بتضحياته يشكّل رسالة واضحة لكل المهزومين والمستسلمين للواقع، بأن شعبنا ما زال مفعم بالأمل ولديه طاقات هائلة لمواجهة الاحتلال وكافة المشاريع الاستسلامية.
دماء باسل ودماء الشهداء لن تذهب هدراً، فجريمة اغتياله سيكون لها ما بعدها، وسيدفع الاحتلال ثمنها، وستكون دافع لرفاق باسل وشباب فلسطين إلى استلهام العبر والمعاني التي ناضل واستشهد من أجلها إلى مواصلة طريق المقاومة والانتفاضة طريقاً للوحدة والعودة والتحرير.

