Menu

’’المسيحيّة يا حبيبي هي الديانة المقدّسة على وجه الأرض‘‘

7d211b640c

بقلم / أحمد مصطفى

’’المسيحيّة يا حبيبي هي الديانة المقدّسة على وجه الأرض‘‘


تجوّلتُ هذا المساء بين ثنايا خان الزيت ب القدس ِ المُحتلّة، لم أعهد القدس هكذا منذُ زمنٍ قد مضى، الفلّاحون يعكفون في هذا السوق على بيعِ الفواكه الطازجة، والفلّاحاتِ يعكفن على بيع الحبِّ بابتسامةٍ ملساء جرداء.
 التقيتُ بحبيبتي يُولاند وهِيَ تبيعُ العسل الزعتري القادم من قلنديا، نظرتُ إليها خلسةً من وراءِ أحد الباعة الذي يبيع أعشاب شقائق النعمان، واقتربتُ على مهلٍ وأنا أرقبها كيف تتحدّث مع زبائنها المتباينين في معتقداتهم وصفاتهم وخواصهم الفكريّة، فوجدتها تُحسن القول والقصيد، قد مرّ عليها القبطيُّ والمُسلم، وكانت تُظهرُ ثغرَ فمها عند كلِّ سؤال، وتُجيب : "إنّ هذا العسل مذاقهُ لذيذ".
 أعترف، إنّ في بلوغها من روح الطفولة ما يجعل أسنانها اللبنيّة مغرية لتستهوي كلَّ ناظر، وكانت الغيرة تجتاحني بشدّة، فما أقبلَ عليها أحدٌ إلّا واشترى مما لديها دون أن يرى ماذا تبيع.
 ولأنني مسلمٌ عربي، لم أستطع أن أتحمّل هذا المشهد المتكرّر، فبادرتُ بالخروجِ من المخبأ وتوجّهتُ إليها من الخلف، وقفتُ خلفها تحديدًا وهي تروّج للعسل مع أحد المتجوّلين، وبدأتُ أستجمع قِواي قبل أن ألمس كتفها براحةِ يدي التي سُرعان ما تراجعتُ عن لمسها بعد أن مُدّتْ، فلم تنظر إلى الخلفِ إطلاقًا ولم تنتبه لوجودي، لكنها فاجئتني بقولها للزبون: "إنّ هذا العسل مذاقهُ لذيذٌ كلذّة هذا الحبيب الذي يقف خلفي ويعتقد أنني لا أتحسّس أنفاسه" !
 ابتَسَمْتُ وضَحِكْتُ من هولِ الموقف، ثم أدارت وجهها إليّ لتبادر باحتضاني، فاحتضنتها بشغفٍ وشوقٍ طويل في وقتٍ قصير، فأنا لم ألتقي بها منذُ الأول من مارس، فكان شعرها يغْمرُ وجهي بينما أربتُ برأسي على كتفها الأيسر في خِضَمِ الاحتضان.
 نظرتُ للمشتري من بين خصلات شعرها وأنا أحتضنها، أخبرتهُ أن يأخذ الزجاجة التي يُمسك بها بالمجّان وليذهب، وبدأتُ أحاول فكّ قيد أحضانها الذي يُشبه إلى حدٍ ما محاولة فكّ قيد أسرانا، لكن الاختلاف كان يكمن في أننا تعانقنا، ولم يكن أحدٌ قادرٌ على فصلنا سوى الله.
 قامت يُولاند بإرخاء سبيل عُنقي، وأجلستني على كرسيٍ كانت قد جهّزتهُ مسبقًا بأملِ حضوري، فجلستُ بجوارها وسألتها: "أيبيع العسل عسلاً" ؟
 فأجابتني أنها تبيع الماء والسُّكر، فنظرتُ باندهاشٍ إليها وقلتُ: "هل حبيبة أحمد تغِشُّ في البيعِ والشِّراء"؟!، فأجابت: "إنّ العسل لا يكون عسلاً ما لم يمتزج بالرّيقِ منك يا صفوَ الأحباب".
 غمرتني يُولاند بِلُطفها، فانحنيتُ خجلاً وقلتُ لها: "ماذا أقول لكِ؟، ماذا أُهديكِ؟، فلتعذريني فأنا فقيرٌ لا أملكُ سوى ثمنِ ثلاث زُجاجاتٍ من العسل ممّا تبتاعين، فالفقراء لا يملكون شيئًا يُقدّموه سوى قلوبهم".
 فقامت بصفعي على وجهي صفعة تشبه صفعة الفاقد للوعي حتى يفيق، ثمّ قالت لي: "الفُقراء أيضًا يُصفعون، وهذه الصفعة من فتاةٍ ستصبحُ مُفلسة بعد أن ألقت المال عن جانبيها لتكون أنت غِناها وثروتها".
 فجاء رجلٌ مُسِن من أقصى السوقِ المزدحم، واعترضَ حديثنا سائلاً: "بِكَم هذا العسل؟"، فقالت له يُولاند: "بالسعرِ الذي تُريد يا سيّد"، فأجابها أنهُ سيضع في ثمنهِ سبعةُ دنانير، فأخبرتهُ يُولاند: "سعرٌ جيّد، خُذه مباركًا، واحتفظ بالدنانير على أن تشتري بثمنه هديةً لزوجتك، هِيَ تستحقُ منك هدية هذا المساء".
 فابتسمَ الرجل شاكرًا وانصَرف، فطلبتُ أن ألتقط معصمها، فناولتني يدها اليُمنى وبدأتُ بتقبيلِ باطن كفِّها منحنيًا، وأدري أنّ تعرُّق يديها فيهِ من الشّهدِ ما يُلصق ثغري الباسم في فراغاتِ أصابعها، وأعلمُ أنني استشعرتُ جمال الرّبيع بين ربوعِ قبضتها، وأؤمنُ أنّ رائحة تعرُّقها تكفيني لأتلذّذ بطعمِ ثمارها في الفصولِ الأربعة.
رفعتُ رأسي لوهلةٍ مستفهمًا، فسألتها: "هل علمّتك المسيحيّة أسلوب تجارة المسلمين"؟!
 فأجابتني: "لأنني مسيحيّة سأخبركَ أنّ المسيحيّة يا حبيبي لدينا كما الإسلام لديكم، هي الديانة المقدّسة على وجه الأرض، لكنّ الحبّ يا حبيبي هُو أقدسُ الأديان".
فابتسمتُ مجددًا، وباشرتُ باحتضانها إلى أن فرغَ السوقُ من الباعةِ وأصبح جميعُ الناسِ نِيام.

بقلم: أحمد مُصطفى - 26 جمادى الثاني (6) 1438 هـ
 "يوميات عاشق مغرمٌ بعشيقته المقدسيّة يُولاند بنت قلبه"