خلق الواقع السياسي للمجتمع الفلسطيني في ظل كونه يقبع تحت الاحتلال الذى يمارس كافة أشكال وممارسات القمع والعنف والعنصرية والتمييز ، بيئة مجتمعية ذات علاقات اجتماعية متماسكة في مواجهة كافة مخططات الاحتلال التي تهدف إلى تدمير البناء الاجتماعي الفلسطيني للقضاء على مقاومته وإضعاف مطالبته بكينونته وهويته وأرضه التي ينتمى إليها، كما أن سلامة القيم داخل أفراد المجتمع الفلسطيني ساهمت في بقاء تماسكه وقوته في مواجهة كافة أساليب الغطرسة الصهيونية وممارسته اللاأخلاقية ضد الشعب الفلسطيني على مدى قرابة سبعين عامًا من الزمن، لكن أتى الانقسام الفلسطيني منذ منتصف يونيو 2007، ليشكل نقطة فارقة في العلاقات الاجتماعية الفلسطينية في قطاع غزة بصفة خاصة، حيث مر المجتمع الفلسطيني بأخطر مرحلة في مراحل نشوئه وتطوره وهي الدخول في اقتتال وصراع داخلي دامي وكارثي بكل ما تعنيه الكلمة، بحيث استأثر طرفي الانقسام (حركتي فتح وحماس)، كل واحد منهما على منطقة جغرافية باتت تعبر عن مشروعيهما اللذان يلتقيان في المحصلة ضد المصلحة الوطنية العليا.
فالانقسام بدأ سياسياً، إلا أنه مس بالعصب الأساسي المكون للمجتمع وهي "الأسرة" حيث أن الأسرة في المجتمع الفلسطيني تشكل أهمية كبيرة كمؤسسة اجتماعية وكنظام اجتماعي، تؤدي أدوارها اتجاه أفرادها، وتدخل في تفاعل مع المجتمع الكبير ومؤسساته، كذلك كونها تتشكل من مزيج سياسي وذلك طبقاً للحالة السياسية الفلسطينية، حيث نجد أن الغالبية العظمي من أفراد المجتمع الفلسطيني ينتمون إلى تنظيمات وأحزاب سياسية في الغالب مختلفة، فتجد فيها اليساري واليميني واليميني المتشدد ... إلخ. هذا التنوع السياسي داخل المجتمع كان عاملاً من عوامل البقاء والاستمرار في مواجهة الاحتلال ومخططاته الاستيطانية، ولم يشكل في يوم من الأيام عامل هدم أو تراجع للثورة الفلسطينية وعلاقاتها الاجتماعية، لكن الانقسام ساهم في تدهور العلاقات الاجتماعية بين بعض الأسر التي في الغالب تتكون من افراد يؤمنون بتوجهات مختلفة، وذلك نتيجة غياب أو عدم الفهم الحقيقي للديمقراطية وحرية الرأي الاختلاف والتعبير وتقبل الأخر حتى لو اختلف في الفكرة أو الرأي، كذلك نتيجة التعصب الحزبي لبعض منتسبي الأحزاب الفلسطينية وهذا يعود إلى التربية الحزبية غير الصحيحة (الفئوية/العصبوية).
فقد أظهرت دراسة لمركز شؤون المرأة- غزة أن الانقسام ترك آثاراً على العلاقات الأسرية في كل بيت، فقد أثّر على العلاقات الزوجية، فأحدث مشاكل لم تكن موجودة، حيث تغيّرت علاقة المرأة بزوجها للأسوأ بعد الانقسام السياسي، بحيث أمسى تأييد فصيل بعينه أمراً مصيرياً في حياة الأسرة، يترتب عليه مستقبلها، وأصبح للانتماء السياسي تأثيراً كبيراً حتى على اختيار الزوجات والأزواج .
لقد اتسمت العلاقات الاجتماعية في قطاع غزة بعد حالة الانقسام السياسي بغلبة العلاقات الحزبية على العلاقات الاجتماعية سواء بين الأصدقاء والجيران وزملاء العمل والجامعات وداخل الأسرة الواحدة فكان له أثر سلبي كبير على مجمل العلاقات داخل المجتمع. ونتيجة تدهور العلاقات الاجتماعية بين أبناء المجتمع يظهر هنا ما يسميه علماء الاجتماع "الاغتراب الاجتماعي" وهي حالة عجز الإنسان في علاقاته بالمؤسسات والمجتمع والنظام العام، وتتصل بحالة الاغتراب مشكلات التفكك الاجتماعي والسياسي، وخلخلة القيم الاجتماعية، وتسود في هذه المرحلة حالة من الاضطرابات. هذه الاضطرابات والخلخلة في القيم الاجتماعية. فالمرحلة التي مر بها قطاع غزة ما بعد أحداث يونيو 2007م خلقت واقعاً جديداً داخل "المجتمع الغزاوي"، تمثل في نشوء طبقة سياسية واقتصادية بين الفئة الحاكمة لقطاع غزة، اتسمت باستشراء الفساد السياسي والاقتصادي عبر تراكم الثروات غير المشروعة وأشكال الثراء السريع كنتيجة مباشرة للهبوط بالثوابت السياسية والاجتماعية، وما ترتب على ذلك من ظهور ظواهر اجتماعية جديدة على المجتمع الفلسطيني كتولد "الحقد الاجتماعي" الذي يضر بتطور المجتمع ويأثر بشكل كبير على العلاقات الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد. فالحقد يهدم ولا يبنى وليس هناك أسهل من تأجيج الكراهية والحقد سواء كان الوضع الاجتماعي يساعد على ذلك أو لا يساعد.
إن العلاقات الاجتماعية أساس تكوين البناء الاجتماعي لأنها انعكاس مباشر لقيمه وعاداته وسلوكياته التي يعتنقها، وكلما كانت العلاقات الاجتماعية تعطى انعكاساً للترابط والتشابك ما بين افراد المجتمع كلما كان المجتمع أقدر على مواجهة كل التحديات التي من الممكن أن تهدد بقائه واستمراريته.
لقد خلق الانقسام السياسي وتسبب في ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية مجافية وقاسية، أرهقت كاهل المجتمع، وأصبحت "جزءًا أصيلًا" من حياتهم اليومية، ترتب عليها تدهور في العلاقات الاجتماعية، والذي يتطلب من أصحاب القرار سواءً في السلطة الفلسطينية أو الفصائل والمؤسسات الأهلية دوراً كبيراً في معالجة هذا الخلل الذي أصاب النسق الاجتماعي وبنية العلاقات الاجتماعية في قطاع غزة.

