في التاسعِ والعشرين من آذار قبلَ واحدٍ وأربعين عامًا ..
استيقظَ الفلسطينيون على صدى صوتِ العصفور المتّكئُ فوق خاصرة زهرة البيلسان البيضاء والتي قد نبتت على أطرافِ مدينة سخنين العريقة.
الصباح كان يسيرًا،، الأطفالُ يلعبون في حَوشِ البيت القديم، والصنوبر لا يزال شامخًا كشموخِ الشُهداء خلف زنزانة الأمس قابعين،، العاشقُ المسكين يذهب لحَرْثِ أرضه، والفلّاحُ القويم يستعيذُ بالله مما قد يُصيبُ زَرْعَه، لا أحدَ يعلم بما يُحاكُ في الخَفاءِ، فالفلسطينيون قد تعلّموا وعلّموا فنّ البقاء.
وفي المساء.. وفي ليلةٍ عاصفةٍ بالألم المُفاجئ.. بدأ الزيتونُ بنفْضِ الغُبارِ عن زيته، وبدأ البنفسج يتحوّلُ لونه إلى الأحمرِ الجُوري الدموي، وبدأت حروفُ القصيدةِ تترنّح بين يديِّ الأديب والشّاعر، ما الخطبُ الذي يحدثُ هناك ؟
أين أبي وأمي؟ أين أختي الكبرى؟ أين منزلنا؟ أين أنا؟
أغمضتُ عيناي لبرهةٍ وبَقَيتُ أمشي مكلومة الوجهة، قادتني خطواتي صوبَ المزرعة الخضراء، فلا زلتُ أذكرُ رائحة الحَرثِ الذي غرسه جدّي.
وجدتُ غصنًا قديمًا، وفأسًا متينًا، وقصيدة مُلقاة بجانبِ الحشائشِ القصيرة.. جلستُ على الأرضِ واعتدلتُ القعود، ليس بجانبيّ أحدٌ سوى وُريقات الزعفران السوسني، وبقيتُ أتساءل "من أنا" حتى أجابتني، فأخبرتني الأرضْ، أنني بنتُ الكلماتِ البسيطة، وزوجةُ الخريطة.
شاهدتُ الأشجار تُقيم مراسمًا من الزواج العُذري الفلسطيني، واستطردتُ النظر للأغصانِ العنيدة، وألقيتُ مسمعي على غصنٍ قد اِعوجّ ليُصلّي صلاة الحبِّ في حضرةِ الأرض.
إشتدّ الظلامُ الحالِك، وبدأتُ أنتشي التراب إرثًا حتى غَفوت بجانب التينِ وتلحّفتُ بزهرِ الياسمين.
أَقْبَلَ عليّ جدّي في المنام، كان سعيدًا بكلِّ ما أوتيَ من وِئام، فسألتهُ ما الخطبُ يا جدّي؟ أكلُّ الأمورِ على ما يُرام؟
فأجابني، يا ابنتي الصغيرة إنّ العدوّ قد أقسمَ بالقوة على الزيتونِ ألا ينام، ومن أقسمَ على الزيتون قَبْلاً سيُهزم.. ما ضلّ في بأسهِ من قَوام، فأين المفرُّ يا ابنتي من بطشٍ وحزمٍ يحلو فيه المقام؟
ذهبَ جدّي، وعَكَفتُ في نومي مع الأرضِ بكلِّ هُيام، فجاءَ صباحُ الثلاثين شاكيًا، وجاء لكَنَفي البيان.. رأيتُ أبي وأمي وأختي ومنزلي يُخبروني بالنهوضِ والقيام.
قمتُ فزعةً من بين حشائشي، فالسّماء مُلبّدةٌ بالدُخان، فهممتُ مع والدي وأهلي ومنزلي لاقتطاف الحجارةِ والغضب، وعُدنا إلى الحيِّ بسلام.
كان الحيُّ مضّجرًا، الرجالُ في الشوارع يُقيمون احتجاجًا.. إحتجاجًا شارك فيه الحجر والسيف، والقلبُ والبأس.. الفدائيُّ يحملُ بندقيته، والمُزارعُ قد أقبلَ بمنجله، والعاشق قد أتى بقلبه، والشاعرُ حاملاً قلمه، والجريحُ يجرُّ عرجته، والشيخُ يحتضن مصحفه.
اندلعت المواجهة، فالأرضُ غالية، والوطنُ ليس للجبناء.
بدأ الفدائيُّ يغمزُ زِناده لتُصافح رُصَاصَاتهِ أجسادَ المُعتدين، ورأيتُ هلال البسالة من منجلِ المزارع المصقولِ من ترابِ أرضه، ونظرتُ لضراوة العاشق كيف أرعبَ بملمحهِ صفوف الغاصبين، وتمعّنتُ في قوافي الشاعر كيف أسكبَ دماءه الزكيّة دون أن تُسكب محبرته، وأنصتُّ لوقعِ شيخ القبيلة وهو يُرتّلُ علينا آياتِ سورةِ القتال ويُقاتل.
قُتلوا سِتّتنا، ولم يبقَ لي سوى زهرةُ الأوركيد التي تربّع بجوارها وابلُ الرصاص الفارغ.
هَممتُ إلى دماءِ شعبي الذي فرشَ الأرض كالزّعترِ الفوّاح، وجلستُ أخاطبُ الأرض برجفةِ الشفاه:
أرجوكِ يا أرضنا.. أرجوكِ يا أرضنا.. أرجوكِ أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات.. بينَ البنفسجِ.. والبُندقيّة.
الخميس 30 آذار 2017، 3 رجب (7) 14388 هـ.

