Menu

باسل الأعرج .. الفرادة خارج قبضة الأخطبوط

باسل

بقلم / نضال عبد العال

لقد مثل الشهيد باسل الأعرج نموذجا فريدا للمثقف الثائر المشتبك، فكانت مواجهته الأخيرة مع قوات الاحتلال، يوم سقط شهيدا مدرجا بدمه، تجسيدا حيا لمقولته الشهيرة " إذا كنت مثقفا فلا بد أن تشتبك، وإن لم تشتبك .. بلا منك ومن ثقافتك..". أعطى الاشتباك الحي المباشر مع الاحتلال، قيمة مضافة للمثقف الشاب، كما أعطت الثقافة والوعي، قيمة مضافة للثائر المقاتل. خاض باسل الأعرج مواجهة مع السلطة وأجهزتها الأمنية، وتعرض للضغوط والملاحقة والاعتقال، وإضرابا عن الطعام، جراء نشاطه ومقالاته الناقدة، والتي كانت تبشر بالانتفاضة وتدعو للمواجهة . لم يتجاوز باسل عمر العشر سنوات يوم توقيع اتفاق أوسلو، حيث ولد عام 1984، أي شب وترعرع في ظل أوسلو وشباكه المنسوجة بإحكام، بين السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن.

المثقف الشاب لم يتمكن منه أخطبوط أوسلو، ما يؤشر إلى أن هناك المئات بل الآلاف من الشباب الفلسطيني أمثاله، لم ير في أوسلو مرحلة انتقالية للتحرر من الاحتلال وبناء الدولة كما يزعم فريق السلطة. بل إن وظيفة أوسلو وتبعاته، أن يكون أخطبوطا، حين يتمكن من فريسته، فإنه سيلتهمها حكما. وهذا ما دفع باسل إلى المواجهة.  

إن رمزية الأحداث التي جرت أثر استشهاد باسل، أعطت مؤشرا واضحا لا لبس فيه، عن حالة الغضب الشعبي وعدم الرضا العام، عن طبيعة السلطة ودورها تحت الاحتلال، وبالأخص عدم الاقتناع أنها مرحلة انتقاليه نحو زوال الاحتلال وبناء الدولة. فقد خرجت الجماهير الفلسطينية في مدن الضفة وفي غزة والشتات، وكل على طريقته، لتعبر عن احتضان المقاومة ورفض التنسيق الأمني، ولمسنا لأول مرة ومنذ سنوات نبضا فلسطينيا يتفاعل في كل مكان، في الداخل والخارج، ويشمل من هم معارضين أو موالين، وهذا ما فسر رد الفعل العنيف من قبل الأجهزة الأمنية، وكل السلطة ورموزها، والتي استنفرت في القمع على الأرض، وفي التحذيرات المنطلقة من موظفيها ومواليها، وفي الإعلام المرئي والمسموع وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما في القنوات السياسية، أي أنها أدركت جدية الموقف.  

تصرفت السلطة وعلى مدى السنوات الماضية كأداة للتدجين والترويض والتخدير، وأدت بشكل أو بآخر وظيفتها هذه، فتمكنت بأشكال مختلفة من احتواء المجتمع الفلسطيني بكل تناقضاته وتعارضاته. ويبين ذلك الفعل الانتفاضي المشتت، والمواجهات المحصورة والمقتصرة على فئات شبابية محدودة، أن نقد المثقف الفلسطيني للوضع السائد بات نمطيا، مدجنا ومقولبا في نطاق مرسوم ممنوع تجاوزه، وذلك بفعل استيعاب هذا المثقف / الموظف في مؤسسات السلطة، فيكون النقد في هذه الحال هامشيا في وظيفة محددة سلفا. أما المثقف خارج مؤسسات السلطة، فيتم استيعابه بفعل ضغط المناخ العام، الذي صاغته السلطة عبر مثقفيها وأبواقها وإعلامها، والذي حدد نطاق النقد ومداه وآلياته. والملفت أن السلطة التي أفرزها اتفاق مع العدو، وتلزمها شروطه بممارسات سياسية وأمنية واقتصادية تكرس تبعيتها للاحتلال، عدا عن كل ما يبوح به رموزها علنا، من تقديس للتنسيق الأمني وغيره كالتخلي عن حق العودة، تستسهل إتهام الآخرين بالعمالة أو الخضوع لأجندات خارجية، فقط لمجرد أن نبرة النقد قد تجاوز سقف السلطة السياسي والأمني.  لا شك أن العديد من المثقفين الفلسطينيين هم خارج قبضة أخطبوط أوسلو، قالوا وانتقدوا ونظروا مرارا وتكرارا، لكنهم ناءوا بأنفسهم عن الاشتباك المباشر مع سلطة أوسلو، أو مع الاحتلال، فلم يرتقوا إلى مستوى النموذج الذي مثله باسل، كمثقف وثائر تميز بالفرادة في تجاوزه حال المثقف الفلسطيني في الوقت الحاضر.

تكمن الإضافة التي قدمها باسل في مسيرة نضاله واستشهاده، أن القيمة الفعلية للمثقف ليست في وعيه وقدرته على التحليل والفهم فقط، أو إدراك المخاطر والتحديات، أو حتى في دعوته للثورة والتبشير بالانتفاضة، وعلى أهمية كل ذلك. إن خطورة المثقف حين يتجاوز الحالة العامة، فيكسر التقليد السائد، فيقدم على المواجهة كممارسة واعية، تتصف بالثورية وتهدف إلى تجاوز النمط السائد من النقاش والنقد والتبشير إلى فعل التغيير. أي إن خطورة المثقف حين يكسر القالب الذي وضع فيه، في منظومة العلاقات السياسية والاجتماعية، الاقتصادية والثقافية السائدة.  ولا بد من الإشارة هنا إلى فكرة أخرى أيضا، إن "النمط السائد" لا يقتصر على السلطة وممارساتها السياسية والاقتصادية والثقافية، بل أيضا على المعارضة، خطابها وآلياتها.

إن فرادة باسل، هو خروجه الكلي من العلاقة القائمة بين السلطة والمعارضة، حتى لو اختلفا عميقا وجديا في الخطاب السياسي، إلا أن طبيعة العلاقة القائمة بينهما، تحولت إلى علاقة نمطية لا تؤدي إلى تغييرا فعليا.  إن النبرة العالية في اشتباك باسل السياسي والثقافي مع السلطة، لم يورطه في اشتباك مسلح معها، وهذا ما تسوقه المعارضة من مخاوف تبرر أسلوبها الشعاراتي. بل حافظ على اشتباكه المسلح والمباشر مع الاحتلال. هذه المعادلة الذهبية التي جسدها باللحم الحي، هي درس بليغ للمعارضة، اشتباك سياسي وثقافي عالي النبرة مع السلطة، واشتباك مسلح مباشر مع الاحتلال.  

باسل الأعرج حالة خارجة عن المألوف، لذلك صار فريدا، إلا أن الفرادة ليست هدفا بحد ذاتها، بل هي لحظة تاريخية سلبية يسعى البطل بفعله الإيجابي إلى تجاوزها، إن فرادته دفعته لكسر المألوف السلبي ليعمم نموذجه الايجابي، كي يصير المثقف المشتبك مألوفا.