من جديد يضرب الإرهاب التكفيري مصر "أم الدنيا وزعيمة العالم العربي"، مستهدفاً ليس الأقباط وحدهم بل الشعب المصري كله ومقومات استقرار الدولة المصرية، في مخطط قديم جديد تتوحد فيه العديد من الأطراف التي لا تريد لمصر النهوض أو استعادة دورها المطلوب والذي افتقدته بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد.
تجلى ذلك في استهداف مزدوج لكنيسة قبطية أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من الأبرياء ليسوا من المسيحيين فقط بل من المسلمين ورجال الشرطة، لتؤكد هذه الجريمة والدماء المصرية الطاهرة التي امتزجت مع بعضها البعض أن مصر بتركيبتها هي المستهدفة.
ونحن نتقدم بتعازينا الحارة للشعب المصري عامة والكنيسة القبطية الأرثدوكسية بشهداء عيد الشعانين، والذين ذهبوا نتاج الإرهاب التكفيري، ونؤكد على تضامننا الكامل مع الشعب المصري الشقيق، وثقتنا بقدرته على مقاومة الإرهاب، وندعو شعوب المنطقة التي تتعرض لأبشع أشكال الحروب وأقذرها بالتوحد ضمن جبهة مقاومة موحدة تواجه الإرهاب وتضرب على يد مموليه ومشغليه ومستخدميه في المنطقة والعالم، فإننا ندعو إلى إدراك أسباب وتوقيت هذه الجريمة المركبة، والتي تأتي في أوضاع عربية وإقليمية غاية في التعقيد، تتصارع فيها التحالفات وتتبدّل، في ظل استهداف متواصل من الغرب والكيان الصهيوني لكل مقومات وحدة واستقرار الشعوب العربية وتهديدها الدائم إما بالتدخل العسكري المباشر، أو من خلال إطلاق العنان لذيولها في المنطقة إما عن طريق أنظمة الرجعية العربية، أو الجماعات التكفيرية التي تنهش الجسد العربي بالقتل والتدمير وإثارة الطائفية والاستهداف الأعمى لكل ما هو وطني.
كما أن هذا الاستهداف في هذا التوقيت بالذات يأتي بعد انعقاد القمة العربية وقراراتها العقيمة والتي جسدت رؤية بعض الأنظمة العربية الرجعية المتنفذة كالسعودية في التعامل مع القضايا العربية، والاستهداف للدولة الوطنية خدمة للامبريالية الصهيونية كما يجري في العراق وسوريا و ليبيا ، ومحاولة الضغط على مصر بكل رمزيتها ودورها التاريخي من أجل أن تسير في ذات الطريق الخاطئ إما من خلال فرض ضغوطات اقتصادية أو سياسية، أو من خلال إطلاق العنان للإرهاب التكفيري في ضرب وحدة واستقرار مصر، واثارة النعرات الطائفية بين الأقباط وباقي المصريين، من خلال التفجيرات التي تستهدف الأقباط. رغم أن مصر شكّلت على مدار تاريخها تعايش يحتذى به بين جميع الطوائف.
الأمر الآخر هو أن هذا الاستهداف المتكرر للأقباط في مصر، لا يهدد وحدة واستقرار مصر فقط، بقدر أنه استهداف للهوية وللعروبة التي لطالما تمسك بها مسيحيو المشرق العربي وعلى رأسهم المسيحيين في مصر، وقد خرجت بين صفوف الحركة الوطنية العربية قيادات وطنية مسيحية جابهت وقاومت الاستعمار والصهيونية ودكتاتورية الأنظمة العربية، ولم يعرف الشعب المصري قط أن فجوة بين المسيحيين والمسلمين إلا بعد أن أتاح الرئيس أنور السادات للجماعات الإسلامية لتوغل في النظام السياسي لمواجهة الناصرية والتمدد القومي، وتصاعدت جرائمهم بعد اغتيالهم للسادات ونفذوا جرائم عديدة من استهدافات واغتيالات للكتّاب العلمانيين. ولكننا رغم ذلك لم نرى أي فجوة بين مكونات الشعب المصري بشكل واضح إلا بعد انطلاق ما يُسمى بالربيع العربي، والذي كان على رأس أهدافه الخبيثة هو ضرب الدولة الوطنية في الوطن العربي عن طريق إثارة الحروب الطائفية بين مكونات الشعب المصري، وهذا ما يجري في سوريا والعراق تحديداً.
ولذلك فإن مصر الكنانة في لحظة اختبار مصيرية لمواجهة هذا التمدد التكفيري، وهو ما يستوجب منها اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة التمدد الوهابي والتكفيري في مصر من جانب، واتخاذ مواقف سياسية جريئة مناهضة لمركز تمويل الإرهاب وهي السعودية ومؤسساتها من جانب آخر، وعدم ارتهانها لمواقفها أو لأية ضغوطات عليها، وهو ما يستوجب إعادة تحديد التحالفات من حيث تحقق المصلحة المتبادلة اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. والتخلص رويداً رويداً من آثار اتفاقية كامب ديفيد، وإعادة الاعتبار لوزنها في العالم العربي والتدخل بقوة ومسئولية في كل محاولات تصفية الدولة الوطنية، وأن تعيد دورها التاريخي كرافعة للقضية المركزية للأمة العربية وهي القضية الفلسطينية، ودعم نضال شعبنا الفلسطيني.
المجد لشهداء أمتنا العربية ولشهداء مصر العروبة.. والموت والعار لأذناب الامبريالية والصهيونية من الرجعية العربية

