بالأمس القريب جاء إعلان الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة عن العثور على جثة مواطنة مقتولة في أحد الأبراج السكنية في جنوب القطاع ليعيد إلى الذاكرة قصصاً وأرقاماً لسيدات أخريات قُتلن على خلفيات مختلفة داخل قطاع غزة والضفة الغربية، دون أن تقوم للمجتمع قائمة أو أن يحتجّ على إهدار هذه الأرواح، بل واجهه بالحد من تناقل الخبر بقيد داخلي أوجده المجتمع في أفراده " الشرف"، جاعلاً كل فرد يردد في سره أو على العلن: "الله أعلم ماهي المصيبة التي اقترفتها قبل قتلها".
في اليوم التالي، تم الإعلان عن تفاصيل مؤلمة لمقتل هذه السيدة فيما يظهر بأنها قُتلت لغرض السرقة، بعد أن تم طعنها 20طعنة وضربها في راسها بأنبوبة الغاز وقطع اذنها ليسرق منها القاتل "حلق وسلسلة " ، ما أدهشني هو رد فعل الجمهور والذي انتقل من حالة الهمس حول سبب مقتلها دون تعاطف، إلى تعاطفٍ كامل، واليوم تتكرر الفاجعة في قتل زوج لزوجته ومن ثم تسليم نفسه للشرطة، ذات التكهنات والسيناريوهات المريضة حول سبب قتل هذه المرأة عادت، هذه الحالة أصابتني بالهلع من حجم سوء الصورة النمطية المرتبطة بكل جريمة قتل ضحيتها امرأة.
واتساءل، لماذا تكون النساء دائماً موضع شك حتى تثبت براءتهن أحياءً وأموات، ولماذا الزعم أو التكهن باتهام المغدورات ب "جريمة شرف" أو "أسباب أخلاقية" قادر على أن يطلق ألسنتهم السليطة لتنهش أرواحهن، هذا الصباح استضافتني اذاعة الشعب للحديث عن نتائج الورقة البحثية حول قتل النساء في أراضي السلطة سألني المذيع : "برأيك لماذا في كل جريمة قتل تصوب الاتهامات اتجاه المرأة ودوافع قتلها لأسباب اخلاقية ، هل كل هذا حقد على المرأة ؟" ، إجابتي القصيرة جاءت : بأن ما تواجهه النساء ليس حقداً، بل موروتٌ اجتماعي ذكوري يحاصرها طوال حياتها وحتى في مماتها، لكن إجابتي المطولة تجدونها في السطور التالية.
لقد واجهت صعوبة في التصديق بمدى سهولة إهدار روح امرأة في هذا المجتمع، وكيف أنها تواجه هذا الموروث بداعي الحُب، صدقني هي لا تواجه حقداً، بل حباً من الجحيم لامتلاكها وإجبارها أن تعيش وتتعايش في سياق هذا الحُب المصطنع لتبرير كل ما تفعله رغماً عنها بداعي الخوف على مصلحتها، وعلى سمعتها من ألسنة الناس، ورغم كل هذا الحرص، فور ان تحاول الخروج من هذا السياق تُقذف بأبشع التهم التي تمسها أخلاقياً رغم أنها كانت قبل ذلك فرداً مرضياً عنه من المجتمع، هذا الأمر يطالها إلى طبيعة موتها، حين تموت المرأة موتة غير طبيعية يتجسد هذا الموروث في أدمغة وألسنة المجتمع وبذلك تكون هذه المرأة عاشت ضحية منذ ولادتها.
المؤسف فعلاً أنه حتى نهاية 2016، رُصدت 137 حالة وفاة غير طبيعية للنساء، قد تكون بعضها قتل متعمد والبعض الآخر قتلٌ بملامح أخرى تحت مسميات كالانتحار، أو السقوط من علو، السقوط في بئر، الاختناق، الحرق، وغير ذلك، ، مع الحذر من تعميم القول بأن كل وفاة غير طبيعية للنساء هي جريمة قتل، واستطيع الجزم أنه في كل مرة اختفت أو قُتلت امرأة طالتها الاتهامات ثم الجملة الشهيرة : " الله يستر عالولايا"، بينما لم يتبعها أي إجراء حقيقي للتغيير في سياساتنا وقوانينا الوطنية نحو مزيد من حماية النساء.
إن المطلوب من أجل حماية النساء هو إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني، والذي تحولّ إلى انقسام تشريعي وقضائي أيضاً، وانعكس بالسلب على جميع جوانب حياة النساء وم طالبهن بالحماية وحقهن في الحياة والسلامة الشخصية، وذلك لضرورة العمل على اقرار قانون عقوبات جديد، وقانون أحوال شخصية، وتفعيل المرصد الوطني للعنف الذي تشرف عليه وزارة شؤؤن المرأة، إضافة للعمل على تحقيق الأهداف الاستراتيجية السبعة للاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء 2011-2019، والتي قاربت على الانتهاء دون أن نجد لها تجسيداً واقعياً خاصة في قطاع غزة.
من المهم أيضاً إنشاء مزيد من بيوت الأمان سهلة الوصول للنساء المعنفات، فالنساء تُقتل في بيوتهن في دائرة خطر حقيقي يشتكين منها مراراً دون أن يستمع لهن أحد، أو أن يُوفر لهن بديل آمن، كما أن الاستمرار في خلق حالة وعي مجتمعية وجماهيرية بكل الوسائل المتاحة اتجاه قضية قتل النساء، يجب أن يكون خطوة منهجية بجهود جماعية لتفعيل حراك مجتمعي شامل ينبذ هذه الجرائم، ويمكن استخدامه في الضغط على صانعي القرار وواضعي السياسات، لتبني سياسات تشريعية تحمي النساء وتضمن سلامة النسيج المجتمعي وخصوصيته، وأعني هنا النسيج المجتمعي المتنور الذي يعزز مكانة النساء.
قد يرى البعض عدم الحاجة ل"خلط" الجريمتين ببعضهما ومع باقي جرائم قتل النساء أو حوادث موتهن على خلفيات غير طبيعية، إلا أنه من المهم ربط القضايا ومواجهة المجتمع ليتعظ بأفعاله، فمن أعمالكم سُلطّ عليكم كما يُقال، ولذلك أقول: لا لازدواجية التعامل مع قتل النساء، والتعامل مع المغدورات كمتهمات حتى تثبت براءتهن، وكم أتمنى أن لا أرى مرة أخرى ذلك المنشور على صفحة أحدهم يبارك فيه بياناً عائلياً لأنه أعلن براءة شرف المغدورة من أقاويل الناس، فكل امرأة تساوى حياة تستحق الحماية تماماً كحياتك عزيزي القارئ.

