Menu

تركيا بعد الاستفتاء من الصدمة إلى المفاجأة

أردوغان

محمد السعيد إدريس

بعد الصدمة هل يمكن أن تحدث المفاجأة؟ سؤال خبيث يفرض نفسه الآن داخل تركيا وخارجها بعد ظهور النتائج الصادمة للاستفتاء الشعبي العام الذى شهدته تركيا يوم الاثنين قبل الماضي (16/4/2017) حول تعديلات دستورية جوهرية أرادها السلطان العثماني الجديد رجب طيب أردوغان لتحويل النظام السياسي في البلاد من نظام برلماني يحاكى الديمقراطية الغربية إلى نظام أردوغانى (وليس نظاماً رئاسياً كما يروج) تمتد جذوره العميقة إلى مرحلة الحكم العثمانية بسلاطينها التاريخيين.

فمنذ وقوع الحركة الانقلابية الفاشلة في يوليو الماضي التي اتهمت «حركة الخدمة» وزعيمها المؤسس فتح الله جولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية بتدبيرها، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخوض، تحت حكم الطوارئ الذى فرضه على البلاد، عمليات تطهير وإبعاد وتنكيل بالمعارضة وسيطرة كاملة على الإعلام وتجييش وتعبئة شعبية تحت مزاعم حماية الديمقراطية وتأمين الاستقرار. الذين دخلوا السجون بتهمة التآمر على الدولة تجاوزوا مئات الآلاف من جميع فئات الشعب والذين طردوا من وظائفهم من العسكريين والدبلوماسيين وكبار الموظفين والصحفيين والإعلاميين بعشرات الآلاف.

الآن فقط يكتشف الشعب «الخديعة الكبرى» إن هذا كله كان يحدث كي يستطيع أردوغان أن يفرض التعديلات الدستورية التي يريدها والتي كان يدرك أنه يعجز عن تحقيقها دون أن يتمكن من إبعاد وإقصاء كل المعارضين وتكميم كل الأفواه مثل كل طاغية، وبعد أن فعل هذا كله أفصح عن مكنون ما يريد، وهو أن يصبح سلطاناً لتركيا بسلطات مطلقة. فقبل تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة حاول أردوغان تعديل الدستور كي يجعل من نفسه رئيساً بسلطات حقيقية وجوهرية غير موجودة بالدستور ولكنه لم يستطع والآن جاءته الفرصة ليوظف المؤامرة الانقلابية ليعدل الدستور حسب أهوائه، لكنه نسى أنه بذلك يكشف عن وجهه الحقيقي.

إنها الخديعة إذن.. هذه الحقيقة التي بدأ الشعب التركي يكتشفها، لكن يبدو أن أردوغان يجهل حكمة الشعوب، ويجهل الثمن الذى عليه أن يدفعه. فالشعوب قد تغفر لحكامها أي شيء، إلا الخديعة. عندما تكتشف الشعوب أن الحاكم يخدعها عندها يكون الانتقام حتمياً، وقد جاء هذا الانتقام مبكراً من أردوغان برفض الشعب للتعديلات الدستورية الأردوغانية بنسبة غير متوقعة. فقد جاءت النتائج صادمة بكل المقاييس، وبات الرئيس مضطراً لتجرع مرارة انتصار مشكوك فى نزاهته، وما نسأل عنه هو: إذا كانت التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها ستبقى مجمدة دون تفعيل لحين إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية المقبلة في نوفمبر عام 2019 فهل يضمن رجب طيب أردوغان أن يفوز رئيساً في تلك الانتخابات؟ هل يمكن أن تحدث المفاجأة ويفشل في أن يكون رئيساً بعد كل ما فعله من جهود مضنية ليهيئ نفسه حاكماً مطلقاً لتركيا حتى العام 2029؟.

حديثنا عن المفاجأة المحتملة له ما يبرره. فكل ما فعله أردوغان وما ارتكبه من تجاوزات ديمقراطية كى يحقق أمله بتعديل الدستور على هواه جاءت محبطة بكل المقاييس.

فقد أيد الاستفتاء 51,2% (24,32 مليون ناخب) فقط، والذين قالوا «لا» بلغت نسبتهم 48,8% أي ( 23,2 مليون ناخب). ما يعنى أن ما يقرب من نصف المقترعين قالوا «لا»، وأن الجماعة السياسية في تركيا باتت منقسمة التوجه بين من يؤيدون الرئيس وتعديلاته، ومن يرفضون الرئيس وتعديلاته، فرفض التعديلات أخذ يتحول بسبب سوء الإدارة السياسية والإفراط في التنكيل بالمعارضة والاستقواء بالسلطة وأدوات بطشها إلى رفض للرئيس وحكمه وحزبه، وهذا تطور بالغ الخطورة، إذا أخذنا في الاعتبار أن من المرجح أن تتفاقم حدته من الآن ولحين الانتخابات القادمة في نوفمبر 2019 على وجه الخصوص.

دليلنا على ذلك أن القلب الحضري للمجتمع التركي ومركز ثقله السياسي والاقتصادي ممثلاً في المدن التركية الكبرى وخصوصاً مدن إسطنبول (العاصمة الاقتصادية الثقافية التاريخية للبلاد) وأنقرة (العاصمة السياسية) وأزمير وأنطاكيا وأضنة صوتت جميعها بـ«لا» ضد التعديلات الدستورية بنسب 51٫4%، 51٫1%، 68٫8%، 59٫1%، 58٫15% على التوالي، إضافة بالطبع إلى ديار بكر معقل الكتلة الانتخابية الكردية الأساسية الرافضة بالمطلق لأردوغان وحكومته وحزبه. هذا يعنى أن مركز الثقل السياسي والاقتصادي في البلاد ليس مع هذه التعديلات الدستورية، وأن من أيدوا هذه التعديلات هم من المحافظات الريفية. هذه النتيجة تقول إن مدن الحركة السياسية الفاعلة باتت ضد أردوغان وحزبه وإن الأشهر القادمة سوف تشهد حراكاً سياسياً نشطاً ضد التجديد لأردوغان رئيساً عام 2019 باعتبار أن هذا التجديد سيكون تكريساً للحكم الديكتاتوري الاستبدادي في البلاد. يغذى هذا الاتجاه وجود معارضة قوية مدعومة أوروبياً للنتائج المعلنة لهذا الاستفتاء. ففي الوقت الذى أعلن فيه حزب «الشعوب الديمقراطي» الموالي للأكراد أنه قدم شكاوى بشأن بطاقات اقتراع غير مختومة أثرت في ثلاثة ملايين ناخب وهو أكثر من ضعف الهامش الذى فاز به أردوغان، طالب حزب «الشعب الجمهوري» أكبر أحزاب المعارضة اللجنة الانتخابية العليا بإلغاء نتيجة الاستفتاء بسبب وجود مخالفات جسيمة شابت عملية التصويت، وهدد بولنت تزجان نائب رئيس الحزب أن حزبه سيذهب إلى «المحكمة الدستورية» إذا دعت الحاجة.

الأمر المهم بهذا الخصوص أن المراقبين الذين أوفدتهم «منظمة الأمن والتعاون» في أوروبا لمراقبة الاستفتاء أكدوا وجود العديد من المخالفات في الاستفتاء التركي. نتائج تؤكد أن تركيا تتجه إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار خصوصاً مع تمادى الرئيس التركي في مشواره التغييري الإقصائي وتفعيله بعض مواد التعديل الدستوري قبل موعد نوفمبر 2019، واللجوء مجدداً لتمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر قادمة يوم الثلاثاء الماضي، وتأكيده عزمه على إعادة العمل بعقوبة الإعدام وهذا يعنى تورطه في المزيد من القمع والمزيد من الصدام مع أوروبا.

دخول البلاد في موجة جديدة من عدم الاستقرار مدعومة بتراجع خطير في الاقتصاد قد تجعل مفاجأة فشل فوز أردوغان بالرئاسة في الانتخابات القادمة هي «مفاجأة القرن بجدارة»، إلا إذا لجأ إردوغان إلى خيار «الانتخابات المبكرة»، عندها قد يكون الانفجار الشعبي، ربما، هو المفاجأة البديلة، أو بالأحرى الانتقام البديل والأهم.