Menu

يحضر الحزب ويغيب الوطن..

قلم

بقلم / أبو فايز

في هذا العالم الافتراضي تحديداً والذي أتاح لملايين البشر فتح معارك كبيرة على جبهات واسعة في السياسة والدين والمال والفن دون أن يمتلك غالبية منهم أدنى أسس الفهم والمعرفة بها، وبدا وكأن كل قبيلة " سياسية، دينية " لا يعنيها شيء سوى القول بأنها الأفضل حتى لو لم تكن كذلك، وكل من هم بالصف الآخر يتم مناصبتهم العداء بكل صوره " مخالفتهم وإقصاؤهم وتكفيرهم وتخوينهم "، خلط في الأحكام بين السياسي والعاطفي والأخلاقي في معظم القضايا دون أن نحدد منذ البداية أين نقف من هذه القضية أو تلك ومدى جدّية أحكامنا.

تتجلى صورة ما سبق في حالتنا الفلسطينية تحديداً وتتجاوزها بصور أكثر سوءاً في حالتنا العربية بأنماط طائفية وجهوية.

مما لا شك فيه بأن جميع أحزابنا الفلسطينية لم تكن إلا من أجل مشروع التحرير ودحر هذا العدو عن أرضنا، بمعنى فروع في خدمة الأصل، وهذا الأصل " الوطن " هو الباقي أبداً ثابتاً لا يتبدّل مع تبدّل تلك الأحزاب ببرامجها ورموزها صعوداً أو هبوطاً واندثاراً، وهذا التبدّل ودرجاته بين الصعود والهبوط لا تحدده مزاجيات وآراء أصحابه بل يحدده المزاج الشعبي العام بمشاهداته اليومية لالتزامها أو عدمه من برامجها، ومدى التزام تلك البرامج بالأصل دون تفريط أو ميوعة في المواقف، إذ أنني كفلسطيني أحلم بالحرية والعودة والاستقلال أرى أن أي تطور يطرأ على برامج وسياسات هذه الأحزاب يجب أن يكون في الاتجاه الأصلب والأحرص على الثوابت، تطور يقرّبنا خطوة من أحلامنا ويعزز فينا الصمود والأمل، تطور بدون النزول درجات للأسفل قد تهوي بنا لآخر السلّم الذي صعدناه بالدم والتضحيات.

لسنين طويلة تبدّلت أحوال وأهداف أحزابنا من تحرير للوطن إلى تحرير الوطن ممن يخالفها، ورفعها البعض لمراتب مقدّسة تجاوزت فيها قدسية الوطن والدم، لتبلغ مرحلةً يخوّن أو يكفّر منتقدها، وأصبح الدفاع المتعصّب عن برامجها " السيئ المتردي كما الجيد منها " ورموزها واجباً وطنياً رئيسياً أكثر أهمية من الدفاع عن الوطن بكل قضاياه العادلة !!

" كل حزبٍ بما لديهم فرحون "، وكلاً منهم لديه فقه التبرير الخاص به، ما هو حرامٌ بالأمس حلالٌ جائزٌ اليوم، وأمريكا أصل الشرور وراعية هذا الكيان قد تصبح بقدرة قادر راعية سلامٍ يعوّل عليها بمد يدها المباركة لنا نصرةً وعوْناً !!! وان معاداتها حتى في الخطاب السياسي لن يخدم مشروع تحررنا، فالواجب استلطافها كي ننتزع منها الدعم والوقفة المرجوة !!!

هكذا قرأت في بعض مواقع التواصل شرحاً وتوضيحاً من كثيرين في كيف يكون هذا الفقه " فقه التبرير والاستطاعة والممكن "، لا يصح انتقاد من يملكون الحكمة والحنكة وبعد النظر " حسب وصفهم " لأن هؤلاء يعلمون ما لا نعلم ويملكون ما لا نملك من وعي وانتماء !! ومجرد الانتقاد يضعك في خانة الخونة أو المنتفعين من طرفٍ آخر مفرّط، بل ويذهب بعضهم للقول بأن أولئك فعلوا وفعلوا فلمَ لا ندير نحن دفة المركب على طريقتنا ما دمنا الأحرص والأفضل والأكثر شرعية ؟؟

هكذا هو الحال، انتقادك لفتح يعني أنك تقف في صف حماس، وانتقادك لحماس يعني انك تقف في صف فتح، ولا يراك أحدهم بأنك تقف في صف الوطن، مطلوب حين تنتقد حركة فتح وكي يسجّل نقدك بأنه إيجابي بنّاء أن تقول: يا أخوتي حبّذا لو قال الرئيس تنسيق أمني هادف أو ضروري بدل كلمة مقدّس خشية أن يستغلها الاحتلال لصالحه وحفاظاً على صورتنا النضالية العظيمة، وأن نقول لحماس: يا شيوخنا جزيتم خيراً، أيها الشرعيون وحماة الشريعة، حبّذا لو كان مؤتمر إعلان وثيقتكم في فلسطين أو الأردن كي نشارككم فرحكم وعظيم إنجازكم..

أختم ما كتبته بفقرة للصديق محمد عجلان يقول فيها " النقد ليس فعلاً سلبياً ولا مجرد جلد ذات، النقد هو المدخل الحقيقي للتغيير، دون أن تهدم المنزل الآيل للسقوط لن تستطيع أن تقيم البيت الجديد، نظرة الكثيرين لعملية النقد أنها تخريب وتدمير للقيم والأخلاق والرموز، أيها الأعزاء أحد أهم مهام النقد هو رفع الحصانة عن الأفكار والأشخاص كي نتعامل معها بشكل علمي جاد، دون تهويل أو تهوين، من أجل أن نصل إلى معرفة حقيقة هذه الأفكار والتصورات، وهل هي تتناسب مع حاجاتنا كبشر في مجتمع جديد، أم أنها أصبحت في ذمة التاريخ ويجب أن توضع في متحف الأفكار كغيرها. النقد وإن كان هدماً في بعض جوانبه، إلا أن هذا الهدم ضرورة لبدء البناء، وبدونه لا بناء ولا حراك ولا مستقبل " .