كل ما أعرفه أن بيت ساحور ذات انتفاضة قد تجاوزت ذاتها فأصبحت تعادل وطنا...
كل ما أعرفه أن بيت ساحور بوتقة صهر لكل أهلها ومن حولها.
كل ما أعرفه أن بيت ساحور كانت تشق طريقا آخر.. تزرع بذرة أخرى تزهر وطنا لا يقوم على الطوائف والعشائر والتباسات التعصب السياسي.
كل ما أذكره أنني ولدت هنا... كبرت هنا... تعلمت الأبحدية هنا... ولم يكن يشغل بالي يوما السؤال عن دين هذا أو ذاك.. طائفة هذا أو ذاك... كنا نعيش معا.. نأكل معا... نضحك معا... نزرع الأرض معا... نحصد معا... ونحتفل معا ... ونحزن معا... نقاوم معا ... ونُعتقل معا ... ونستشهد معا.
هل كان ذلك منذ زمن بعيد...!!!
ما بال أهلك يا بيت ساحور اليوم!؟
رقص الكثيرون على إيقاع طبول "العرس الديمقراطي"... فإذا به يعيدنا إلى أيام "داحس والغبراء"... "عبس وذبيان"... "قيس ويمن"... "فلا نجوت إن نجا..."... فماذا بعد!؟.
ما هذا العبث والتطاول على وعي مدينة مسكونة بفكرة وطن وبشارة أضاءت كونا....!
كيف ارتدت بيت ساحور الفلسطينية العينين والوجه والقلب إلى مجرد جماعات تشتبك على مقاعد بلدية!؟
عشت عمري هنا... وفي كل مرة أسير فيها في شوارع هذه المدينة فإني أجد ذاتي من جديد... لا أعرف غالبية الناس إلا بأسمائهم الأولى... أو من وجوههم ولا أذهب أبعد... لا أبحث ولا أسال إن كان هذا "قزحة أم مراجدة، قزحة فوق أم تحت أم بين بين، مسلم أو مسيحي أو غير متدين، لاجئ أو مقيم... تعمري أو بدون..."... لا يعنيني ذلك... ما يهمني هي العيون الصادقة والضحكة الصافية... والموقف الذي لا يحيد عن الوطن.
قلت يوما حين نقبل ونستسيغ كفلسطينيين ثقافة التمييز والتمزيق فإنها لا تعود تقف عند حد... تبدأ من هناك بعيدا بعيدا... ثم تنحدر بنا حتى نقسم شعبنا الفلسطيني المحتل المشرد إلى لاجئين وغير لاجئين، ضفة وغزة، الخليل ونابلس، القدس وغيرالقدس... فلاحين ومدنيين، بدو وأشباه بدو... مسلمين ومسيحيين، روم وكاثوليك، لوثري ولاتيني.... وهكذا حتى نفصل بين ذات الفرد وأخيه... وبعد ذلك نثرثر عن الاحتلال والوحدة الوطنية والمقاومة... وعن الأخوة والتعايش...
رقص الكثيرون في "العرس الديمقراطي" الذي يتحدثون عنه ... ثم فجأة اشتبكوا وكأنهم يتقاسمون الأسلاب والغنائم....
ما يحزنني هو حال القوى السياسية الوطنية في بيت ساحور... التي استهوتها اللعبة فأصبحت جزءا منها... فراحت تعيد بناء ذاتها وكأنها مجالس عشائر... وليست قوى سياسية وطنية عابرة للأديان والطوائف والعائلات...
هنا أقول بكل وضوح: أنا أحترم العائلات والأسر جميعها فهذه بديهية... المشكلة بالأصل ليست في أن يكون في مجتمعنا أسر وعائلات... فهذا طبيعي تماما.. المشكلة حين نقوم ببناء مؤسساتنا الوطنية والمدنية والسياسية ونتعامل معها ومع مهامها ودورها وكأنها مجرد بنى عشائرية.. حينها تغيب فلسطين.. وتغيب المدينة ويغيب المخيم والقرية... ليحل محلها ثقافة القبيلة... فنغني:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت ....... وإن تُرْشَد غزية أُرْشَدِ
فما علاقة فلسطين بذلك!؟.. وما علاقة بيت ساحور بذلك!؟
وماذا يمكن أن نقول عن القوى السياسية التي تتجاوز روحها وبرنامجها الوطني التحرري لتعيد إحياء ثقافة القبيلة...!؟.
وبعد ذلك تسألون باستغراب لماذا نحن في حالة أزمة سياسية واجتماعية وفي حالة انحباس استراتيجي.!؟.
ليس أمام بيت ساحور إلا أن تنهض وتقول للجميع كفى...
فليس مسموحا لأحد أن يعبث بروحها.. بتاريخها... ليس مسموحا لأحد أن يهين أعماقها الذاهبة في أعماق التاريخ..
فانهضي يا بيت ساحور وقولي للجميع بصوت واضح وحاسم: عن أي مجلس بلدي تتحدثون... وعلى أي مجلس بلدي تشتبكون وتختلفون... فإذا لم يكن من أجلي... فاذهبوا وشكلوا مجالس العائلات كما تشاؤون...
هنا بيت ساحور... سارية فلسطين وناصية الأبجدية على حدود الصحراء... الكنعانية الفلسطينية البهية...
النموذج والراية .. صرخة الوعي والحرية... حقل القمح ونجمة البشارة... فهل نسيتم كل هذا!؟
هنا بيت ساحور تعيد تذكير الجميع بهويتها ووجهها... فلا تهبطوا بها...
تأتي المجالس البلدية وتذهب.... لكن بيت ساحور باقية هنا ما بقيت فلسطين... والسلام.

