Menu

تغذية وعي الحصار وأسطورة الابادة

العدو ومحاولة قلب الاتهامات وتزييف التاريخ في 1967

تدمير قلقيلية 1967

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

لاتمل أجهزة صياغة الوعي العام الصهيونية من تكرار التفاهات المتعلقة بالعقد التي قام عليها كيانهم، وبالتحديد، الخوف من الإبادة، عبر تذويت (الهولوكوست ) عند كل اليهود، وإعادة اختراع الإبادة وجعلها حاضرة دائما وأبدا في الضمير الجمعي، للمجتمع الاحتلالي، حيث تظهر متشبثة  بعقلية الحصار، متمترسة وراء قصة ملفقة لافرق إن كانت محكمة البناء أو لا، كونها مرتبطة بغريزة البقاء والدفاع عن البقاء التي تم تنميتها واشباعها بالخوف وإرساء وضعية الحصار ومشاعره في الضمير الجمعي عبر كل وسيلة ممكنة ، سواء أخذ معنىً أمنياً (أسطورة العرب الذين يريدون رمي اليهود في البحر) أو تلفيقا لتعزيز شرعية معينة (الهولوكوست ومعاداة السامية) أو حضاريا (إسرائيل هي القلعة المتقدمة للحضارة الغربية في وجه الشرق البربري) وذلك ببساطة ما يأخذ تسمية (الإجماع القومي) في دولة مثل الكيان الصهيوني.

لقد كتب شاريت في يومياته عن لجوء المؤسسة السياسية –العسكرية في "إسرائيل" إلى خلق عقلية الحصار بين المستوطنين ورفد خرافة التهديد العربي بإبادتهم وبالتالي تبرر العنف والعدوان «كنت أتأمل في السلسلة الطويلة من الأحداث المفبركة والأعمال العدائية ضدنا التي اخترعناها والكثير من الصدامات التي افتعلناها، والتي كلفتنا الكثير من الدماء، وفي خروقات القانون الدولي التي قام بها رجالنا وكلها جلبت مصائب خطيرة، بالمحصلة حددت مجرى الأحداث كلها وأسهمت في خلق أزمة الأمن»هذا ما أدخل الاستيطانية الصهيونية في حلقة مفرغة من عقلية الحصار التي تغذي الدوران والعدوان الذي يعمق عقلية الحصار، ووصف موشيه دايان عقلية الحصار هذه بأنها «الحلف الحيوي لنا الذي يساعدنا على الاحتفاظ بدرجة عالية من التوتر بين سكان إسرائيل، كما داخل الجيش ومن أجل حفز الشباب للذهاب إلى النقب، علينا أن نصرح بأنه في خطر».

تلك المقدمة قصد منها التمهيد لمعلاجة موضوع محدد طفا إلى السطح أخيرا، وهو جزء من عملية التلفيق من جهة، وجزء أيضاص من استمرار عملية صهر وعي المجتمع الصهيوني بوضعية الحصار والخوف الدائم التي يجب أن يستمر فيها بما يخدم مصالح قوى اليمين الاستيطاني المتطرف والأحزاب الصهيونية التي تسعى إلى السلطة بأي ثمن.

في الوقت الذي تتكشف فيه وثائق يومية عن حرب 1967 لتفضح عزم جيش العدو الصهيوني على إنها ما بدأه عام 1948، واستكمال طرد الفلسطينيينن وإجبار الآلاف منهم على الرحيل شرقا عبر النهر، إضافة إلى التدمير المنهجي في عدة مدن فلسطينية وخصوصا مدن حدود الخط الأخضر وقلقيلية بالذات، وفي الوقت الذي تتكشف فيه حقيقة الجرائم التي ارتكبها العدو ما بين الحربين، وفي حرب 1956 وقبلها وبعدها وكذلك الأيام التالية لحرب 1967، ونذكر مثلا بالإعدام الوحشي للأسرى المصريين في سيناء،  وخصوصا التدمير المنهجي الكامل لحي المغاربة في القدس وإزالته من الوجود، وتهجير سكانه، أمام كل هذه الحقائق المروعة والتي لن يستطيع الاحتلال الفكاك منها ومن دفع ثمنها مهما طال الزمن، يطالعنا يوما بعد آخر صحفيون صهاينة ليسوا فقط فخورين بما فعله جيشهم من جرائم وانتهاكات أثناء الحرب  بل يسعون إلى قلب الحقائق واعادجة سرد نفس القصة الفاسدة المريضة عن أن "إسرائيل" كانت توجه خطرا وجوديا  في تلك الحرب، على يد جيوش عربية "ماحقة وكبيرة" تماما، ذات الكذبة التي تم ترويجها عام 1948.

الجديد أيضاً  هو الزعم بأن القادة العرب حينذاك خططوا للقضاء على "إسرائيل" حيث يسرد الصحفي  الصهيوني بندور يميني في يديعوت أن جيش الاحتلال استولى على وثائق تنفيذية مصرية وأردنية مع "أوامر واضحة للقضاء على السكان المدنيين" مع أن كل دراسات الحرب المعروفة تكذب هذه المزاعم، ورغم أن الجيوش العربية كان لديها أوامر واضحة بعد التقدم إلى ما وراء الخط الأخضر، رغم أنه لم يتسن لها ذلك أصلا. ويواصل المقال الادعاء بأن " كان البديل للفوز الإبادة. لذلك عذر لنا للفوز. لأن الاحتلال دون إبادة هو أفضل من الإبادة دون احتلال." ويزعم المقال أن الزعماء العرب لو أرادوا دولة فلسطينية لكانوا أقاموها في الفترة من 1948- 1967، لكنهم في الحقيقة لم يريدوا دولة فلسطينية، على حد زعمه.

وينقل بن دور تصريحات نسبها إلى وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد (رئيس سوريا  الراحل لاحقا) بأن الهدف "ضرب مستوطنات العدو، وتحويلها إلى غبار، وتمهيد الطرق العربية بجماجم اليهود"، ويضيف أن الأسد قال "اننا مصممون على تشبع هذه الأرض بدمك (الإسرائيلي) لرميك إلى البحر". وهي تصريحات لم نتمكن من العثور على أصل لها، ويبدو أنها من بنات أفكار الصحفي الصهيوني، كما ينقل الصحفي تصريحات يزعم أنها صدرت عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر "الشعب العربي يريد القتال. إن هدفنا الأساسي هو تدمير دولة إسرائيل" ومصدره في ذلك مقال جامعي غير منسوب، بينما المعتاد نسبة تصريحات الزعماء إلى مذكراتهم أو وسائل الاعلام الرسمية . وينسب تصريحات مماثلة إلى الرئيس العراقي الراحل عبد السلام عارف.

كما يزعم أن ثمة وثيقة أعدها السفير الصهيوني في لندن  اهارون ريميز عن اجتماعه مع وزير الخارجية البريطاني جورج براون قال رميز " إن اسرائيل استولت على وثائق للجيش الاردني تعمل من 25 و 26 مايو / أيار، أي قبل نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، والتي تضمنت أوامر لإبادة السكان المدنيين في المجتمعات التي كان مقررا أن تحتلها أيضا" وهي كما يتضح من السياسات الأردنية والوثائق المكشوفة عن العلاقات الأردنية الصهيونية لاتعدو كذبا صريحا ومجرد تلفيقات.

وثمة خلط واضح في الذهنية الصهيوينة وهو خلط متعمد ويقصد به التضليل، والتزييف، بين المساعي العربية (عبد الناصر على الأقل) لاستعادة الموقف كما كان عام 1948، وهو هدف محق وعادل وقانوني في مواجهة عصابات احتلت الأرض وطردت السكان بدون وجه حق، وبين مزاعم نية الإبادة.

وينقل الصحفي الصهيوني عن الزعيم الصهيوني المقتول اسحق رابين  "إلى أن إسرائيل تريد منع الحرب بكل ما لديها، وأنه حتى عشية المعارك حاولت وقف الحرب بكل ما هو ممكن حتى بتكلفة استراتيجية واقتصادية ثقيلة للدولة ". ولكن هذه الادعاءات تكذبها على الفور عشرات المقالات الصهيونية بالذات والتي تحدثت عن وثائق جديدة تم الافراج عنها تتحدث عن الاستعدادات والنية والخطط الجاهزة للعدو لشن العدوان، وليس منع الحرب على الإطلاق.

كل هذه الافتراءت، وغيرها التي تركز على الإبادة والتخويف منها، هي تكرار ممل للسردية الصهيونية القائمة على عقدة الحصار والتخوييف الذي تبثه وسائل الدعاية الصهيونية والسياسيين والأحزاب في مجتمعهم، للحفاظ على التفاف هذا المجتمع على قيادته اليمينية الفاشية، وزرع التوتر وحالة الطوارئ الدائمة في انتظار ما هو أسوأ.