ما تزال أروقة كنيسة المهد في بيت لحم شاهدةً على حكاية "مبعدي كنيسة المهد" التي نبتت منذ 14 عامًا في رحم المعاناة.
بدأت الحكاية عام 2002 حين شنَّ الاحتلال حربه على بيت لحم بدعوى ما تسمى عملية السور الواقي، واجتاحها بقوات عسكرية ضخمة وعشرات الدبابات والطائرات المروحية، فسارع الفلسطينيون بالردّ والاشتباك مع قوات الاحتلال.
مع تشديد الخناق، تحصن الفلسطينيون بكنيسة المهد، ولم يخرجوا منها إلا باتفاق ينص على إبعادهم لعامين خارج الضفة المحتلة، إلا أن الاحتلال تنصل من الالتزام بتعهداته كالعادة .
وأبعدت سلطات الإحتلال بعد حصار الكنيسة بتاريخ في العاشر من مايو2002، (26) فلسطينيًا إلى قطاع غزة، و(13) آخرين إلى دول أوروبية أصبحوا بعدها (12) لاستشهاد أحدهم ، بعد حصار استمر 40 يوماً .
فهمي كنعان الناطق باسم مبعدي كنسية المهد في قطاع غزة قال: بدأنا منذ أول عام لإبعادنا بإثارة موضوع المبعدين سواء على المستوى المحلي في غزة والضفة الغربية أو على المستوى العربي والدولي.
وأضاف: بعد عامين من الإبعاد كانت الصدمة الكبرى لنا كمبعدين أنه لا يوجد أي اتفاق مكتوب بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي على قضية الإبعاد، مع أن السلطة أخبرتنا بالإبعاد لعامين فقط مع ضمانات بالعودة إلى ديارنا وأهلنا في بيت لحم.
واستدرك كنعان: محمد رشيد ومحمد دحلان الذين كانوا متواجدين بالصفقة لم يحددوا مدة الإبعاد، ولم يكتبوا أي وثيقة تثبت هذه الاتفاق، حتى أصبحنا غير معترف بنا وليس بمقدورنا مواجهة دولة الاحتلال.
ورأى كنعان أن المبعدين يدفعون ثمن خطأ قاسي قام به بعض المسؤولين، مبينًا أنهم في كل عام يرسلون رسائل للأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان وللرئيس محمود عباس ومنظمة الصليب الأحمر وكل المؤسسات الدولية بلا جدوى.
ولفت كنعان أن المبعدين ناشدوا الفصائل الآسرة للجندي الصهيوني جلعاد شاليط أن يطرحوا قضية المبعدين في صفقة التبادل فوعدهم القيادي في حماس إسماعيل هنية أن تطرح قضيتهم كقضية ثانوية إذا رفض الاحتلال الاستجابة لأي قضية مطروحة للتبادل، ثم اكتشفوا أن الكثير من شروط الصفقة لم تتحقق ولم تطرح قضية المبعدين.
وكشف كنعان أن سلطات الاحتلال ترفض السماح لزوجات المبعدين بالعودة لمدينة بيت لحم لزيارة عائلاتهن، وتمنع أهالي وذوي المبعدين من الدخول إلى قطاع غزة عبر معبر بيت حانون وتجبرهم على السفر إلى الأردن ومن ثم ل مصر وصولًا إلى القطاع؛ الأمر الذي حرم العديد من ذويهم من اللقاء بهم لكبر سنهم وعدم قدرتهم على تحمل أعباء السفر.
كما أشار كنعان أن رواتب المبعدين التي يتلقونها "قليلة" ولا تكفي احتياجاتهم"،
من جانبه أكد محامي مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان تامر موسى على أن المبعدين أُبلغوا بأن إتفاق الإبعاد سيكون لمدة عامين، ولكن الاحتلال تنصل من الاتفاق، ورفض عودة المبعدين لبيوتهم رغم أن الاتفاق جاء برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وممثل الإتحاد الأوروبي وبمباركة من الفاتيكان .
وشدد على أن الاحتلال ينتهك القانون الدولي والإنساني وكافة الأعراف والمواثيق الدولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، ويضرب بعرض الحائط كافة القرارات الدولية.
ويعتقد موسى أن من الضروري انضمام السلطة الفلسطينية لكافة المعاهدات والمواثيق الدولية لمحاكمة قادة الإحتلال على جرائمها المرتكبة بحق الفلسطينيين، وإلزام "إسرائيل" بإعادة المبعدين إلى ديارهم، مؤكدا أن جريمة الإبعاد بمثابة جريمة حرب وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة .
وقال: اتفاق الإبعاد من كنيسة المهد حظي وقتها بانتقادات واسعة من قبل العديد من الأطراف وذلك لأن الاحتلال يسعى لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وأنها لا تحترم الاتفاق وتعمل على فرض آرائها بالقوة .
ونوه أن المجتمع الدولي غير قادر على لعب دور الوسيط لضمان التزام الاحتلال بالاتفاقيات التي تبرم مع الأطراف الفلسطينية وخاصة اتفاقيات العودة.
معاناة قديمة متجددة, وحلم العودة إلى الديار ما زال يراود مبعدي كنيسة المهد في قطاع غزة والشتات, فبعد 14 عاماً مازالوا يُوعدون ويُخذلون ويُخذلون .

