كنا أطفالاً بعمر البراءة، نتدرب على صيام رمضان بصوم نصف النهار، ورويدا رويدا نكبر ويكبر معنا الصيام، ليصبح نهاراً كاملاً، يبدأ فجراً، إذ كنا نحرص على السحور وننتظر قدوم المسحراتي أبو سمير وعبد الهادي وآخرين، لنخرج في عتمة الليل أو على ضوء القمر نعطيهم رغيف خبز أو أكثر، وكنا نستأنس بمديحهم وصدى اللحن الجميل والصوت العذب لأبي سمير يصاحبه ايقاع رائع، أما عبد الهادي فكان بسيطاً في جملتين يرددهما دون لحن أو ترنيمة.
رمصان بطقوسه المتعددة، الصلاة والتراويح وقيام الليل والاعتكاف في المسجد وزيارة الأقارب ومتابعة مسلسل تلفزيوني، كنا نذهب لبيت خالتي حيث تلفزيون صغير بصورته أبيض وأسود، أو متابعة حكاوي أبو طافش عبر المذياع الكبير في بيت جارنا، كنا نتحلق به، وكأننا في بلاد العجائب .
كان المؤذن أبو يحيى بصوته الجميل يصدح بتسابيح ما قبل الفجر من على مئذنة مسجد الشيخ موسى (المسجد الغربي)، يسافر صوته بعيداً في الأثير، وما أن يعلن مناديا "يا أمة خير الأنام، ارفعوا أيديكم عن الطعام والشراب، وانووا الصيام، يرحمني ويرحمكم الله"، يكررها ثلاثة، ننطلق إلى المسجد من زقاق ﻵخر، منا من يحمل فانوساً ليضيء المسجد مع فوانيس أخرى، ومنا من يجوب الطريق بكاشف يد. أما الشيخ موسى الذي فقد البصر ولم يفقد البصيرة، فكان يجوب الطريق يكشفها بعكازه وحيداً يأتي المسجد من زقاق ﻵخر، وكأني به مبصراً أكثر منا.
ومع دخول ليلة القدر، واقتراب انتهاء شهر رمضان، تكون تسابيح أبو يحيى بشكل آخر، إذ تنتهي بالتواشيح، وكان الشباب الأكبر منا يصعدون مع أبي يحيى يوشحون معه مودعين الشهر الفضيل .
يراقب الناس هلال شوال، وبمجرد رؤيته، يثبت عيد الفطر السعيد. ونكون قد جهزنا أنفسنا للعيد، بقدر المستطاع نشتري ملابس العيد، وتكون رائحة الكعك والمعمول قد فاحت في الأزقة، وصباح العيد إعتاد البعض على أن يكون الإفطار على الفسيخ (السمك المملح كثيراً). كنا صغاراً نذهب الى المراجيح المنتشرة في الشوارع الواسعة نسبياً. وكنا في سنوات متقدمة نلعب فتح الكازوز وفوران المياه الغازية منها وكنا نذهب إلى السينما بعد أن نجمع بعضاً من النقود ثمن التذكرة. كما كنا صغاراً نذهب مع الوالدين الى مقبرة الشيخ رضوان لزيارة الأموات، كانت أمي رحمها الله تحمل معها كعكاً ومعمولاً وقطيناً. توزعها على الزائرين ومقرئي القرآن على أرواح موتانا.
لنعود إلى البيت، النساء يمكثن في البيت والرجال يزورون بيوت الأقارب والجيران مهنئين بالعيد السعيد. أما نحن فنذهب الى حيث اللعب والمراجيح وألعاب أخرى ، كما كنا نشتري النمورة والكنافة من عند أبو شحادة النمر وأبو سمير طالب، وكنا نشتري ما تيسر من اللعب والبالونات والبواريد والمسدسات البلاستيكية أو المعدن الخفيف.
كنا صغاراً نلهو ونلعب، لكنني في سنوات الاحتلال الأولى كان العيد يبدأ عندي في اليوم الثاني، إذ كنت لا ألبس الجديد في يومه الأول، شكلاً من أشكال الاحتجاج والرفض للعيد تحت الاحتلال. يبدو أنني كنت أكبر من عمري، ربما.
ونحن على أبواب عيد الفطر السعيد، كل عام وأنتم والشعب كل الشعب بخير وسلام، ويبقى عيدنا يوم عودتنا..

