أنظر إلى زهرة الشوك، أدقق في تفاصيلها وتماثلها مع ذاتها أو في "فوضى" تركيبها، ثم في علاقتها مع زميلاتها، ثم أحاول أن أراها وأفهمها في سياقات ما يحيط بها، من ضوء وتشكيلات وحجارة وأعشاب وظلال وضوء وأصوات ومدى... فأشعر أنني أراها وأفهمها لأول مرة... فتغمرني بهجة عميقة تأتي من وعي ذاتي في الحالة...
وقد يمر أحد بشجرة أو زهرة .. أو حقل قمح .. أو ينظر لغيمة عابرة.. أو ربما يسمع قطعة موسيقية ، أو قد يرى امرأة أو يقرأ قصيدة، أو قد يقف أما عمل فني... فيشعر بأن شيئا ما قد أضاء واشتعل في داخله على شكل فرح أو شوق أو حنين... كيف ولماذا يحدث ذلك!؟... هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أحيانا ونحن نرى ونشاهد كل هذه البشاعة والقبح من قتل وتدمير للإنسان وإبداعاته التاريخية، وكل ما يجري من تشويه وانحدار بالوعي إلى مستوى الدناءة (اغتصاب، سبي، تكفير....) كل هذا يثير سؤالا ملحا: كيف للمجتمعات أن تتخطى هذه الكارثة وتستعيد ذاتها وتوازنها!؟ وكيف لها أن ترد على كل التدمير العميق للوعي بتكثيف الوعي الجمالي!؟
كل هذه الأسئلة وغيرها تعيدنا للوقوف أما سؤال الجمال.. البعض يعتقد أنه مجرد مظهر خارجي، أو مجرد متعة بصرية، والبعض يعتقد أنه فوضى حواس... نعم قد يكون في الجمال بعض من كل هذا ... ولكنه أكثر عمقا وشمولية وأكثر تركيبا وتعقيدا...
ولكن المهم أن نعي الآن أن الجمال ليس مسألة ترف عابرة بل هو فلسفة ووعي حيوي مباشر للرد ومواجهة كل هذا القبح وبهذا المعنى فهو يرتقي ليصبح معادلا للمقاومة من أجل الحياة والبقاء.
للجمال تعريفات ومقاربات عديدة، وهي تعتمد على نقطة الانطلاق الفكرية أو المعتقد، كما ترتبط بتطور البشرية وتعمق معارفها ورؤاها الفلسفية/ لهذا فمفهوم الجمال مفهوم متحرك وليس ستاتيكي أبدا. فأوسكار وايلد مثلا يرى أن "الجمال نوع من عبقرية، بل هو حقا أرقى من العبقرية، إنه لا يحتاج إلى تفسير، فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم، إنه مثل شروق الشمس، أو انعكاس صَدَفَةٍ فضية نسميها القمر على صفحة المياه المظلمة" (رواية "صورة دوريان جراي").
فيما "ينظر الكلاسيكيون إلى الجمال باعتباره جوهر الواقع، وأنه التحقق الكامل للشكل، أو هو اكتمال الشكل في ذاته. أما الرومانسيون فنظروا إلى الجمال باعتباره تجليا للإرادة أو الشعور اللذين يتجددان ذاتيا من خلال كل مشاهدة للجمال. والطبيعيون اكتشفوا في الجمال التوافق أو الاتفاق البارع مع الطبيعة. في حين نظر الواقعيون إلى الجمال فاعتبروه موجودا في الموضوع الجمالي وكذلك الوعي الذي يدرك هذا الموضوع أيضا... (....) وقد نشأ علم الجمال في البداية باعتباره فرعا من الفلسفة ويتعلق بدراسة الإدراك للجمال والقبح، ويهتم أيضا بمحاولة استكشاف ما إذا كانت الخصائص الجمالية موجودة موضوعيا في الأشياء التي ندركها، أم توجد ذاتيا في عقل الشخص القائم بالإدراك.
وقد يعرف علم الجمال على أنه "فرع من الفلسفة يتعامل مع طبيعة الجمال مع الحكم المتعلق بالجمال أيضا" أو على أنه – كما جاء في قاموس وبستر – "المجال الذي يتعامل مع وصف الظواهر الفنية والخبرة الجمالية وتفسيرها.... في كل الأحوال الجمال ليس متعلقا بالشكل المنفصل أو المنعزل عن مضمونه، لكنه يتعلق بالتركيب الخاص للمستويات المتنوعة من المعنى والتأثير الشامل، والإحساس الشامل بالحياة وتدفقها الدائمين. هما من شأننا الخاص [المصدر: التفضيل الجمالي: دراسة في سيكولوجية التذوق الفني – د. شاكر عبد الحميد – سلسلة عالم المعرفة - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت – 2001].
مأ أريد لفت النظر إليه هو أن عملية التذوق الجمالي ليست مسألة اعتباطية بل هي عملية ترتبط بتطوير المعرفة والوعي وشحذ المشاعر والقيم والانفعالات التي ترتقي بالذوق الجمالي في التعامل مع النص (النص بما هو الواقع الطبيعي المتنوع والمنتوج الإبداعي وعلاقة الإنسان بذاته وبكل ذلك)، وبهذا فإن التذوق الجمالي يرتقي ليصبح نوعا من إبداع، وهذا ما قصده أوسكار وايلد بقوله الجمال نوع من عبقرية...
هذا يعني أن اكتشاف وبصورة أدق وعي الجمال فيما يحيط بنا من تشكيلات وظواهر جزئية أو شاملة مرتبط باستعداد الفرد العميق لشحذ وعيه وذوقه الجمالي، بمعنى القدرة من أجل وعي الحالة والطبيعة، ومواقفه منها، لهذا فإن وعي الجمال هو تعبير عن سلوك أخلاقي وإنساني عالٍ.
* الصور التقطتها عام 2007

