يبدو أن توقيع المتعهد عند المختار الذي حذرنا منه الشهيد غسان كنفاني والذي أدى كدلالة لإجهاض ثورة عام 1936 سيبقى هاجس الكثيرين مع كل حراك شعبي أو شكل من أشكال المقاومة الشعبية ، التحذير الذي بات يتخذ صورا عدة فيي الذهنية الفلسطينية والعربية ، فمرة يأتينا بثوب مختار ملتحي يحكم إمارة خلافته بالقمع والإقصاء والإلتفاف على صمود الشعب في متوالية الحروب التي عاني خلالها أقسى أشكال القهر من خلال لعبة الهدن في كل مرة لتموت الأحلام في مهدها رغم كم التضحيات التي قدمت ، ومرة يأتينا مرتديا برقع القائد الذي يأبى إلا أن يصنف نفسه بأنه صاحب الهامات العليا وأي تطاول من أحد على وسام اللقب تكون عقوبته المطاردة والإعتقال بتسهيل من سياسة الشراكة الأمنية مع العدو ، ومع بشائر ملامح الإنتفاضة الشعبية في القدس مؤخرا والمنجز الذي حققه أهلنا في القدس من خلال صمودهم وثباتهم على مدى أسبوعين رفضا لإغلاق بوابات الأقصى ووضع الكاميرات الكاشفة برز المختار من جديد بصورة من يبخس المُنجز المُحقق في القدس كنموذج نضالي فريد يبشر بملامح إنتفاضة قادمة نتأمل أن تعم كل أرجاء الوطن في الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948 خاصة بعد عملية الجبارين الثلاثة محمد أحمد جبارين ( 19 عاما ) ومحمد حامد جبارين ( 19 عاما ومحمد أحمد جبارين ( 30 عاما ) الذين جاءوا سيرا على الأقدام من أم الفحم المُحتلة.
ونجحوا في تجاوز المنظومة الأمنية للإحتلال الصهيوني وأعوانه وعملائه والنفاذ إلى المسجد الأقصى حيث نفذوا عملية إشتباكم من المسافة صفر مع العشرات من جنود الاحتلال في باحات الأقصى وتمكنوا بسلاحهم الكارلو المحلي الصنع ومسدس واحد من قتل ثلاثة مستوطنين وإصابة آخرين بجراح قبل أن يرتقوا شهداء على إسفلت أطهر بقعة في الوطن محتفلين بيوم الجمعة على طريقة الفدائيين الخاصة معيدين تصويب إتجاه البوصلة ولحمة الشعب الواحد حين تنصهر همومه معا ويعبر عن هذا المزيج الواحد بعملية رفض للواقع الذي وصل ذروته في وحدة القهر والألم ، وإنعكست صورة تقزيم النصر الذي تحقق بالإتكاء على حجج وتبريرات واهية أخذت من حيز الجدل مساحة كبيرة بأن القضية باتت بيد المرجعيات الدينية وقراراتها المُعلنة تباعا مع تصعيد الأحداث في مدينة القدس وتحديدا في محيط المسجد الأقصى ، وهنا نتوقف أمام حقيقة راسخة تؤكد أن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجودي مع إحتلال كولونيالي إستيطاني وليس صراعا دينيا أو معركة عابرة خلافية حول تدنيس المُقدسات أو صراع على الحدود ، ولكن هذه الحقيقة لا تنفي أن ما حدث في مدينة القدس بعد إغلاق المسجد الأقصى إثر عملية فدائييي أم الفحم أدى إلى ولادة حالة ثورية كرست ثابتا هاما لا يمكن تجاهله وإنكاره بأن العامل الديني أثبت أنه الحاضن الشعبي للوعي الجمعي الفلسطيني في القدس من حيث تفوقه على العوامل الأخرى في إستنفار مشاعر الناس وحشد مجاميع هائلة من الجماهير سواء في القدس أو القادمين إليها من الأرض المثحتلة عام 1948 قدرت أعدادهم بالالاف على مدى أسبوعين من الصمود والتحدي والصلاة المقاومة حتى مطلع الفجر رفضا لإغلاق البوابات المؤدية للمسجد الأقصى.
الصمود الذي عُمد بالدم حيث وقعت إصابات أعادتنا بالذاكرة إلى مرحلة تكسير العظام خلال الإنتفاضة الأولى نتيجة الممارسات التعسفية من قبل جنود الاحتلال بالضرب والتنكيل بكل فئات الشعب من شباب ونساء وشيوخ وأطفال .
وهذا المشهد المُعبر عن مدى التصاق وعي الشعب بأهمية الزود عن المقدسات لا يتعارض مع طبيعة صراعنا مع العدو ولا ينحيه أو ينفيه أو يقزمه كما إختلف كثيرون ما دامت القناعات السائدة تؤكد أن قضيتنا لا يمكن إختزالها بإغلاق أبواب المسجد أو تركيب كاميرات كاشفة بل هي قضية صراع دائم ومستمر سيغير حتما المعادلة من ( لا إستقرار مع الاحتلال ) إلى ( لا إستقرار للإحتلال ) بإستمرارية المقاومة بالمفهوم الشامل الذي قدمه الشهيد غسان كنفاني في مقدمة مؤلفه الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948 _ 1968: ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزرعة ضاربة جذورها عميقاً في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فإن البندقية ذاتها تنبع من إرادة التحرير، وإرادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي والمنطقي والحتمي للمقاومة بمعناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف.
ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي و العمل الثقافي، و يشكل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة و تحضنها و تضمن استمرار مسيرتها و تحيطها بالضمانات.
ومن هنا فإن الشكلَ الثقافي في المقاومةِ يطرح أهمية قصوى ليست أبداً أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، و بالتالي فإن رصدها و استقصاءها و كشف أعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الأرض التي ترتكز عليها بنادقُ الكفاحِ المسلح
ـ هذا التعريف الذي يؤسس لرؤية ثاقبة مستقبلا ولحالة نضالية تؤكد على ثقافة الإشتباك التي أرسى الشهيد دعائمها باكرا في قصة " الصغير يذهب إلى المخيم" والتي وحدها القادرة على دفن كل مشروعات التسوية التي تجلت بعد الأحداث الأخيرة بتوحش إنتهازية البعض من كافة التيارات والإنتماءات للتسلق على صمود أهلنا في القدس الذين فرضوا شروطهم على العدو الصهيوني وحدهم وبعتاد من الكرامة تفوق كل ما تملكه الجيوش المجندة وتبقى هذه الحالة كي تنضج بحاجة إلى خلق بدائل قادرة على إحداث التغيير الحقيقي بقيادة تصنع الحدث لا تستثمره كما كل الثورات التي يفجرها ثائر ويرثها جبان وفق تحذير الأيقونة الثورية الأممية تشي جيفارا ، مع ضرورة عدم التغافل في سياق تحليل ما جرى ميدانيا في القدس مؤخرا عن أنه ليس نبتا شيطانيا مرتبطا بتصعيد ما أو عملية بطولية أو إستفزاز من العدو كما حدث وقت زيارة شارون للمسجد الأقصى خلال الإ،تفاضة ، فمدينة القدس تاريخيا هي مدينة البطولات والشهداء التي لم تملك إستحقاق هذا المسمى إعتباطا وعبثا منذ الرابع عشر من تموز الحالي فقط كما يسوق بعض الكتبة الموتورين حيث شهدت المدينة رغم كل محاولات التهويد وهدم البيوت وحملات الإعتقال الممنهجة وتفريغ المدينة من سكانها خاصة البلدة القديمة عمليات بطولية كانت فاتحة لشرارة الإنتفاضة عام 2015 بعيدا عن ترقيمها كان أولها عملية جبل المُكبر التي نفذها الشهيدان غسان وعُدي أبو جمل باستخدام السواطير والأسلحة، في كنيس صهيوني بمدينة القدس المحتلة، في 18 من تشرين ثاني/نوفمبر لعام 2014 والتي أسفرت عن مقتل أربعة مستوطنين بينهم رجل أمن "إسرائيلي" وحاخام وإصابة تسعة آخرين وصفت جراح أربعة منهم بالخطيرة، واستشهاد منفذي العملية برصاص قوات الشرطة "الإسرائيلية" بعد الاشتباك معهم من مسافة صفر ، تبعها عملية الشهيد بهاء عليان الذي استشهد في الثالث عشر من تشرين الأول/ أكتوبر لعام 2015 وذلك بعد تنفيذه عملية طعن وإطلاق نار مع الأسير بلال أبو غانم، في حافلة (إسرائيلية) في مستوطنة 'أرمون هنتسيف' المقامة على أراضي قرية جبل المكبر. إضافة إلى عملية الشهيد مهند الحلبي.
قام بتنفيذ عملية طعن في باب الأسباط ببلدة القدس القديمة على أثرها قتل مستوطنين و3 جروح متفاوتة وينظر للعملية على أنها بداية ما يعرف ب"ثورة السكاكين". وتستمر قوافل البطولة مع الشهيد مصباح أبو صبيح الذي أطلق صرخته المدوية في وصيته الأقصى ينزف وحيداوهو أمانة في أعناقكم ، والذي ما زال جثمانه محتجزا في ثلاجات الاحتلال ولا ننسى عملية الشهيد فادي القنبر الذي إخترق بشاحنته جيشا بأكمله في منطقة جبل المكبر بالقدس، في عملية نوعية قُتل خلالها أربعة جنود "إسرائيليين" من النخبة وغيرها من قائمة أسماء أبطال الإشتباك مع العدو التي لا تحصى ولكنها تتكامل مع حالة الغضب الشعبية المستمرة في القدس والتي تعلنها دوما عاصمة ابدية للمقاومة ودرب الالام الذي سيعبد حتما الطريق لتغيير الواقع الفلسطيني المازوم على مستوى القيادة منذ توقيع إتفاقيات أوسلو عام 1993 وما افرزته من تداعيات سلبية على مدى عقود من التسويات العبثية التي لم تحقق إنجازا واحدا يحسب لها بل على العكس.
دفعت بالقضية في الاتجاه المعاكس لطموحات الشعب الفلسطيني ، بل صممت لتخدم المشروع الصهيوني وكما قال الباحث السياسي وليد علي مختصرًا: إن الثمن الذي يدفعه شعبنا في المواجهة هو أقل بما لا يُقاس من الثمن الذي يدفعه عبر التفاوض، وأعتقد أن نتائج أوسلو دللت بشكل واضح على هذا، 24 عامًا مرت و فلسطين استكمل تهويدها ولم نحقق شيئًا على الأرض، نحن أمام سلطة وهمية وأمام احتلال خمس نجوم، نحن ندفع تكلفته وندفع ثمنه، وبالتالي هذه الاتفاقية، أكدت للجميع، أنها مصلحة للعدو وإنطلاقا من هذا الواقع الذي فرض على الشعب الفلسطيني يبقى الأمل في جذوة الانتفاضة التي تدفن كل صفقات التخاذل وتسقط مشاريع التسوية وتؤسس لإستراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال ودون ذلك ستبقى القضية تراوح بين الهبات الشعبية التي لن تثمر أكلها إلا بإعلان ميلاد قيادة ثورية من رحم كل هذه التراكمات البطولية بتعدد أشكال النضال التي تؤكد على حقيقة ثابتة أرساها الشهيد باسل الأعرج في عبارته الخالدة " المقاومة جدوى مستمرة.

