Menu

الحبُّ لا ينام

تعبيرية

كتب: أحمد مصطفى

أعتصرُ عيناي صباحًا ومساءً، أبحثُ فيهما عن حبٍ يحلو فيهِ مرقدي، فأُبحِرُ صوبَ الشُرفَةِ البعيدة؛ لألتقي بعزيزتي «يُولاند»، تلكَ الفتاةُ الّتي علّمتني كيف أستعين بأصابعها لأعلم أنني قادرٌ على العدِّ حتى العشرة، وهِيَ الّتي أرشدتني كيف أستخدم تطبيق خرائط المدينة، فما عُدتُ أرى خريطةً ولا مسارًا إلا وقادني إليها، فأقولُ للتطبيق أنّ وِجْهَتي للجامعة، فأراهُ سريع الاستجابة، فأتّبعهُ بدراجتي الناريّة إلى أن يقودني لمنزلك!

- أنظرُ لهاتفي مستفهمًا: ما هذا الهراء؟ أريد الذهاب للجامعة أيها الأحمق!

فيصرخ الهاتف في وجهي قائلًا: «يا فتى الحب، إنّ كتابكَ مكتوبٌ على وجنتيها، وحِبرُ الورقِ مرسومٌ على رِمْشيها، ومقعدك الدراسيُّ محفوظٌ بين ذراعيها، ومراتبكَ العُليا محققةٌ إن غفوتَ على كفّيها».

- أجل، ألجمني هذا الهاتف المُزوّد بتلك التكنولوجيا الحديثة الذكية، كيفَ نسيتُ هذا؟ هل أنا ممتهنٌ للنسيان؟ أم أنّ ذلك رِجسٌ من عملِ الشيطان؟!

فعدتُ للمنزلِ أتحسسُّ وفائي لجميلتي «يُولاند» إلى أن قاربت الساعة الثالثة ليلًا.

- دقّ الباب فجرًا، فُتِحَ الباب لوحدهِ على استحياءٍ من أناملِ الطارق، إنها «يُولاند»، رحّبت بها أختي الجميلة، وأدخلتها لصدرِ المنزل، تساءلت جميلتي: "أين أحمد"؟، فأجابت أختي بأنني نائم، فابتسمت فتاتي الجميلة قائلةً: "نادهِ فورًا"، فتعجّبت أختي، كيف تريدين أن أزمجره بصوتي والناسُ نيام؟!

- تجرّأت «يُولاند» صعودًا إلى غرفتي، فوجدتْ عيناي مغمضتانِ والابتسامةُ لا تغادر ثغري، والتفَتَتْ قليلًا لترى كتابًا ممددًا على المنضدة، شعرتُ حينها بوجودها، فأبقيتُ على ابتسامتي وغضضتُ الطرف عن فتحِ عيناي، ثم لمحتها تقترب من المنضدة لترى عنوانَ الكتاب الذي يُسمّى "نسيان"، فتعجّبتْ من أنني لا أحبُّ أحلام مستغانمي، فكيفَ أقرأ لها بكلِّ اِمعان؟!

- تركتني نائمًا بذريعةِ ألا تقلقني في المنام، وافترشت بجواري فراشًا كنتُ قد تركتهُ قديمًا من أجل الإمام.

- قامت باحتضانِ ذلك الكتاب في صدرها، وباشرت بتجهيزِ نفسها حاملةً وسادةَ الغرام، فنظرتُ إليها خلسةً، ونمتُ بعدما ابتسمتُ ابتسامةِ اللِئام!

- أغْمَضَتْ «يُولاند» جفنيها قبل أن تباشر بقراءةِ الكتاب، فسقطَ من بينِ كفّيها نحو صدرها بكلِّ حبٍ والتئام.

- أقْبَلَتْ الملائكةُ إلى مسكننا، وبدأت بتلاوةِ وِردٍ من نفسِ الكتاب، فحَظِيتْ أحلام بشرفٍ عظيمٍ وبصوتٍ ملائكيٍ وهو يتلو علينا من متنِ كتابها: “فإذا صحوتُ فأنت أوّل خاطري.. وإذا غفا جفني فأنت الآخرُ”.

ونمنا سويًا، وصلّينا في المنام صلاة القيام، وابتسلنا في فرطِ محبّتنا كبسالةِ الطيرِ عند مخاضِ الحَمَامْ، واستيقظنا بُرهةَ الصباحِ نرددُ على ألسنتنا بصوتٍ واحد: "حبنا لا ينام، حبنا لا ينام، حبنا لا ينام".