Menu

مخيّم الثورة.. بين سنوات النضال وقشور الحضارة

قبل

بوابة الهدف_ غزة_ يوسف حمّاد:

على مساحة 1448 دونماً، يقع مُخيّم جباليا، إلى الشمال الشرقي من مدينة غزّة، وهو من أكبر مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّن، تأسّس عام 1948م بعد النكبة الفلسطينية وتهجير الأهالي من قراهم و مدنهم، التي تحتلّها الآن ما تعرف بـ"إسرائيل".

للمخيّم اسمٌ آخر، هو "مخيّم الثورة"، حيث أُطلق هذا الاسم إبان الانتفاضة الأولى 8 ديسمبر 1987، التي انطلقت شراراتها من جباليا، التي بدأت في العقد الأخير تتّخذ شكل المدينة، لتطوّرها الحضاري بمعالم و زمن قياسي.

بين ثنايا الأحداث التي لا تزال ملّونةً بالأبيض والأسود رغم مرور 67 عاماً، يُفتّش الحاج "أبو أمين" في ذاكرته، و يُحدّثنا عن مفارقات وتغيّرات باتت "تبتلع ثورة المخيم" كما يرى.

تتأمّل ملامح "أبو أمين" الذي يبلغ من العمر ثمانية عقود، فترى حسرةً لا تُجيد الاختباء، و حُزناً عميقاً على ما راح من بساتين الحمضيّات و كروم العنب و الأراضي التي كانت تنجب خيراً وسلاماً، بعد عشرات الأعوام على اللجوء في مخيّم جباليا، بعيداً عن أرضه التي احتلّتها آلة القتل الإسرائيليّة.

"أبو أمين" لا يزال يستمع إلى إذاعة "صوت إسرائيل" على شرفة منزله المُتهالك وسط المخيم، وعينُه تُبصر مُكرهةً "الحيّ الذي تحوّل من ثورة نابضة أواخر القرن الماضي، إلى حي للتّجارة والأعمال والرّكض وراء الرّبح و الأموال"، كما يقول.

ويُتابع: "كان المخيّم منذ بضع سنين يشكّل ملحمةً للنضال و الكفاح و مقاومة الاحتلال، أمّا الآن فأراه سوقاً كبيراً للأزياء والبضائع بشتّى أنواعها".

من يتجوّل بين أزقّة "مخيّم الثورة"، يُدرك أن كلّ شيء تقريباً قد تغيّر فيه، ففي بعض أحيائه، تجد المباني الضخمة، والمحال التجاريّة التي تحتوي بضاعة مستوردة غالباً ما تكون "تركيّة و شرق آسيويّة"، و بين بيتٍ وآخر، تجدُ بقايا شعارات وطنيّة خُطّت على الجدران في مختلف المناسبات الفلسطينية، ربّما يعود بعضها لسنوات الانتفاضة الأولى.

حسب إحصائيّةٍ أُجريت عام 2007، يقطن المخيّم 176,286 نسمة، و منذ ذاك التاريخ يُطبق الحصار الإسرائيلي على كامل القطاع في أعقاب سيطرة حركة حماس على غزة، في ظلّ ظروف اقتصاديّة صعبة و إغلاق شبه دائم للمعابر.

"ربّما تغيّرت الحياة هنا في الظاهر، لكنّ العقلية لا زالت ثوريّة" يقول رامي عكاشة 45 عاماً، أحد سكّان المخيم ويعمل سائقاً.

ليس ببعيدٍ عن قلب المخيّم، وعلى بعد مئات الأمتار فقط، تجدُ "أم أسامة" تفترش أرضاً رملية بمجموعة من الأغطية على مساحة 25 متراً، للوهلة الأولى لا تُدرك بأنّها "منزلها"، زينب 40 عاماً، وهي أرملة وأمٌ لأربعةِ أطفالٍ، وجدت نفسها مجبرة على العمل في أرض زراعية لأحد الأقارب، بعد وفاة زوجها قبل عامين.

تقول زينب: " لقد كتبتُ عشرات الرسائل والمناشدات للحكومة، حتى تُوفّر لي منزلاً لائقاً، بعض المسئولين وعدوني.. لكنّ كما ترون، لا زلت أعيش هنا بعد أن دُمر منزلي خلال العدوان الأخير (..) نتلقّى بعض المساعدات، لكنّها قليلة ولا تكفي عائلتي".

يقول نجل زينب، "أسامة" 19 عاماً: "المخيّم تطوّر بعض الشيء لكنّه لا زال يعاني (..)، نشهد اكتظاظاً سكّانياً مخيفاً (..)، حتى لو أبصرت انتعاشاً اقتصادياً لدى البعض،ما نفع ذلك لنا؟ ، نحن لا نزال نفترش العراء".

وسام شاب متزوج و يعمل في محل تجاري، وهو موظف سابق لدى السلطة الفلسطينية، التي أجلست موظفيها قسراً بعد سيطرة حركة حماس على القطاع، يقول: "كل شيء تغير هنا بفعل مرور سنوات على نضال المخيّم المباشر مع الاحتلال، وسيبقى المخيم ثوريّاً بتاريخه الملغّم بحكايا الكفاح والمقاومة، التي لن ينساها أبناؤه"

ممّن ساهموا بتغيير ملامح المخيّم بعض الشيء، هم التجار القادمين من قلب مدينة غزّة، للاستثمار في المخيّم، فيقول المواطن أمجد اليازجي "وهو من عائلة معروفة بنفوذها الاقتصادي نسبياً في المدينة: "المخيم أصبح موقعاً ربحيّاً لدى التجار، فمن يفتتح محلاً تجاريّاً هنا، قد يكون أفضل من افتتاحه في مدينة غزة "الأكثر ليبرالية في القطاع المحاصر"، و هذا بسبب كثافة السكان، فهم يسعوْن للربح دون الالتفات إلى تاريخ المخيّم".

و تظل جباليا مخيّم الثورة، مهما تغيّرت ملامحها، فتاريخ النضال الأصيل لا يُمكن أن تأتي عليه قشور الحضارة والعصريّة.