تحدث مروان عبد العال، مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، في الجلسة الختامية للقاء الحواري الشبابي الذي أقامه اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني/ البساتين - الشحار الغربي - محافظة الجبل، وذلك عن "ثقافة المقاومة".
ووجه عبد العال التحية إلى "جمول" وهي تحتفل مع شباب في عيدها، واصفاً اللقاء بـ"لقاء المقاومة مع الشباب وبموضوع الثقافة، ثلاثية وعي ذهبية وواعدة"، شاكراً "الاتحاد الجهة المنظمة لدعوتي لهذه الورشة الحوارية الشبابية، وأتاحت فرصة الحديث بموضوع أكثر ما يتعلق ببناء الانسان الذي هو أثمن رأسمال"، وقال "الفكرة هي الانسان، هو الفاعل فيها ابداعاً و انتاجاً وممارسة من الذات إلى الموضوع".
وتساءل عبد العال حول السؤال البديهي "من هو المثقف؟" وأضاف "حتى لا نخلط المفاهيم لنقول: هو الانسان الذي يعمل بالمعرفة. انتاج المعرفة. وتطوير المجتمع. ليس كل من يقرأ طبعاً أو من يمتلك المعلومات فقط.. ويكتب جملتين على الفيس بوك ! نعني المثقف العضوي الذي ينغمس بالفعل المجتمعي و يمارس الثقافة لنقل وترجمة الفكرة إلى الصراع الاجتماعي، الذي يقوم بحرب مواقع عصابية ثقافية.. فلسفة التطبيق التي تعود بالفائدة على الفكرة ذاتها بالتحقيق والتجديد".
أما الثقافة والتي تختلف النظرة لها من زوايا متعددة لكنها، فعرّفها عبد العال "هي المكان التاريخي الذي يحتوي القيم الانسانية بأبعادها الفكرية والادبية والمعرفية والفنية والعلمية والتجربة المعاشة والمكتسبة".
وأضاف "لاشك نحن ننحاز لإظهار مكانة الثقافة بالصراع باعتبارها القوة الناعمة.. التي تهدف للتصدي لمحاولة غزو وتدمير العقل او اعادة صياغته بما يسهل السيطرة عليه . "تبدأ الحرية حيث ينتهي الجهل" .. "اعتى الجيوش لا يمكن ان تهزم فكرة آن اوانها" ،هذا ما كان قد قاله فيكتور هوغو ... أما قادة الصهيونية فقالوا: الحرب تحسم في مكانين، مقعد الدراسة وغرفة التوليد".. ورابين قال .. " العرب يمتلكون المادة السوداء وعلينا أن نواجهها بالمادة الرمادية .. يقصد " العقل".. لذلك سبقت الفكرة قيام الحركة وقيام الدولة نفسها".
واستطرد عبد العال "اما المفكر ادوارد سعيد في كتابه الثقافة والامبريالية .. استخدام الثقافة لتبرير الامبريالية.. ربنسون كروزو.. الدور التمديني.. لفرايدي الأسود، أو رواية كوخ العم توم.. كيف تجعل من عبد يقوم بالوكالة في قتال باقي العبيد وحماية أهل القصر ..هننغتون صراع الحضارات .. تصوير المعركة بين البربرية والحضارة.. أو الابادة الثقافية للهنود الحمر وكيف يجعل فيلم رعاة البقر الامريكي يقدم لنا الهندي الاحمر بوصفه المجرم الذي يستحق القتل ، وهنا استخدمت الثقافة لغسيل دماغ بشري جماعي كتمهيد لتقدم العنصرية والشعبوية والتوحش في العالم.. كيف في استعمار الهند ٦٠ الف جندي يسيطرون على ٣٠٠ مليون...الخ.. أما المفكر فرانز فانون : "لكي يحكم الاستعمار عليه أن يمزق الحياة الثقافية للشعب الواقع تحت الاحتلال".. الاقصاء لما يزرعه في العقول.. احتلال العقل اصعب من احتلال الارض. الكيان الصهيوني، تدمير وتسفير الذاكرة وطمسها وسرقتها ان استطاع لأنه يعاني من ازمة شرعية الوجود وهذا لا تؤكده الحرب فقط ...قام بتغيير الامكنة واسماء القرى ومصادرة حتى الحرف العربي ، والتحدي هو الذي انتج اهم الشعراء والادباء والرواة والفنانين والسينمائيين الفلسطينيين، رد فعل للدفاع عن العقل ومن احتلاله كما احتلت الارض وكانت النكبة. بل كانت تمهيد ثقافي لولادة الثورة والفعل السياسي والمقاوم . ثقافة المقاومة هي الثقافة بموقع الدفاع انما المقاومة الثقافية فهي الثقافة في موقع الهجوم .. إن لم يكن صورة المشهد المقاوم بين الدفاع بمعناه حماية الذات والدفاع الايجابي اي التقدم والهجوم وتحقيق اختراقات في موقع الآخر".
وانتقل عبد العال إلى تعريف "ثقافة المقاومة"، فهي "البناء والمحتوى.. الثقافة روح المقاومة.. بذرة المقاومة تبدأ من الثقافة .. رصدها غسان كنفاني .. عندما تحدث عن القاعدة الثقافية التي تؤسس للمقاومة وكشف العلاقة بين السياسة والثقافة.. كما بين البندقية والفكر.. المقاومة هي بديل الانتحار.. نحن امام عدو متوحش.. وثقافة المقاومة هي بديل لثقافة الهزيمة"..
وأضاف واصفاً ثقافة المقاومة أنها "ثقافة الحق، والحقيقة و شرعية البقاء والحياة بكرامة وشرعية مقاومة الظلم والاستلاب والاندثار وقبول الاهانة والدونية، ثقافة النصر.. تؤمن بحتمية النصر كبديل لثقافة الهزيمة. والداعية عبر وسائل اعلام واجهزة ثقافية واكاديمية ومؤسسات فقط للقول بعدم جدوى المقاومة بينما العدو يمتلك الحق بالحرب والسلاح والقوة وانتهاك القانون والاخلاق. ومواجهة غباء القوة لدى السوبر مان بوصفه سوبر عدو وليس سوبر انسان وانه يمكن ان يهزم عندما يدفع كلفة عدوانه واحتلاله فقط".
كما تطرق عبد العال إلى مفهوم "المقاومة الثقافية" وهي "ثقافة الاشتباك التاريخي الشامل.. شكل من اشكال المقاومة لكن بوسائل اخرى. المقاومة لها جذر ثقافي ومدى ثقافي تتمظهر في مواجهة احتلال الوعي والترويض والتطويع والتطبيع.. تتصدى الى عملية تغييب العقل وتدمير الروح الجامعة والمعنويات وترويج الثقافة الاستهلاكية والاستلاب والتخلف.. بل تقاوم أنجزة الثقافة ( NGO’s) التي تجتاح المناطق بمحاذاة المارينز وتهدف الى ترويض وتغيير وتطويع الوعي و اللغة وفكفكة الفكرة والهدف والذات الجمعية. يصبح " التنمية" مكان التثوير والبيئة المستهدفة مكان المجتمع او الجماهير ، والخبير بدل المثقف والناشط بدل المناضل والموظف بدل السياسي وهكذا .. تجزئة قضية المرأة واخراجها من اطارها التحرري وكذلك الطفل وحق تقرير المصير والحرية وحتى العمل التطوعي لا يسري بدون مصروف الجيب وتدريب في فنادق الخمس نجوم ... كأننا بقول نيتشة: "أيها الألمان .. أن أردتم روسيا جزؤها".. نماذج عندنا واضحة.. يتجزأ الهدف فيفقد قدرته ان يتحول الى حافز للتضحية بوصفه غاية جامعة ونبيلة بل وصلت الى جعل الهدف يدمر نفسه بنفسه. تآكل اي مشروع يبدأ باختراق بوسيلة القوة السائلة و الناعمة.. الانقسام الفلسطيني نموذجاً ، وسيلته كانت ليس فقط القوة الصلبة بل الناعمة ايضا مثل سحب فئات وطبقات اجتماعية لعقد اتفاقات التسوية في اوسلو وكامب ديفيد ووادي عربة هو خلق تحالف يسحب الغطاء عن المقاومة ويجزئ المشروع المناهض للاحتلال ، ليس غريباً ان تجد قد تمكن من صناعة انقسام في كل بلد فيه مقاومة. الثقافة المضادة تسعى لنشر ثقافة الهزيمة لتؤدي الى المناعة الوطنية .. وظيفة الثقافة أن تقاوم المارينز الثقافي الامبريالي. المقاطعة الثقافية ولا مساومة بالثقافة مع ايديولوجية رجعية وهذا لا يكتمل الى بعمل جماعي ثقافي تحرري نهضوي تقدمي بديل. يحرس الذاكرة والرواية ويحمي الهوية والذات الوطنية".
وختم عبد العال بقول المفكر مهدي عامل: "لست مهزوماً ما دمت تقاوم".

