أشعر بالارتباك إزاء كل ما يحصل. من جهة، مؤسف جدًا أن يحمل الناس في غزّة مقولات قناعة إمكانية التحالف مع الشيطان بحد ذاته، ظنًا منهم بأنّ ذلك سيحمي ما تبقّى لهم من عمر ممّا أحرق أعمارهم طيلة السنين الماضية؛ من ذكرياتهم الطازجة عن الحروب الثلاث، وقبور أحبتهم الرطبة، والنهارات التي كان تخترقها العتمة المطبقة، وحبس جماعي وإخضاع لامتناهٍ. بل خسارتنا الفادحة كانت في رفد كل تلك المقولات باشتغال ممنهج من البعض على تحميل المقاومة البؤس الكبير الذي تحياه غزّة، بل إلى حدّ كفر الناس بضرورتها ووجوبها المشروع دون الحاجة إلى تأطيرها بمشروع زمني أو مطلبي آنٍ، على الرغم من إمكانية قول الكثير عن الأخطاء التي اكتنفت الحرب النفسية التي خاضتها المقاومة إزاء جبهتها المحليّة على الأقل من رفع سقف التوقعات وتحسين شروط الاستعباد بقضايا مطلبية. من جهة ثانية، كلّ ما أعلمه أن غزّة سقطت من حسابات السلطة منذ زمن، ولا يمكن أن يكون هدف الاستحواذ على السلطة الآن هو لأجل السلطة بالمعنى الحرفي، لأن غزّة بكل همومها على الرف، وآخر همّ للسلطة هو أن تتحوّل إلى سلطة إدارية وتقنية فنيّة في غزّة، بعيدًا عن نزع السلاح وما تبقّى من كرامتنا هناك والمهدورة في الضفة أساسًا. محزن جدًا مشهد استقبال الناس في غزّة لتلك الوجوه الرِثة الخانعة القاتلة ببسمة وحتمية الأمل الطالعة من انكسار كبير في قلوبهم وحياتهم، ويمكن من أكثر الصور التي حرقت قلبي هي صورة طفل عاصر 3 حروب بمباركة مصر يقبّل صورة السيسي في Staged photo، حتى يتضخّم معنى الشفقة ويصبح لاستجدائه دليل بصري مقنع. غزّة استنفدت خياراتها وطاقة الناس على التحمّل. ورغم كلّ الألم والريبة والارتباك، غزّة قاومت لوحدها وخلقت نموذجًا مشرفًا من العظام والأظافر التي تكسّرت وهي تحفر في الصخر في جوف الأرض، وبالتالي نعم يحقّ لها السلطة الكاملة في خيارها وتقرير قرارها السياسي، رغم أنه للأسف الواقع يبوح بعكس ذلك، والدليل هو شروط القبول بذلك القرار من "إسرائيل" ومصر وكل الأطراف القذرة. الناس في غزّة تحوّلوا طيلة الفترة الماضية إلى موزعين للقنوط على كل هذه المخروبة. من أجل كل ذلك، لا يحق لأي أحد، أي أحد التنظير على سماواتهم وتلقينهم محاضرات عن الصمود والتحدّي ووجوب تحمل كلفة الخيار إلى آخر نفس وقطرة دم فيهم، دون وجود أي حراك سياسي موازٍ لخيارهم المقاوم في بقية فلسطين التاريخية، والذي يمكن أن ينتشلهم من هذه الاضطرارية. أنا بقول بس الله يعينّا على اللي جاي، ويعين المقاومة اللي رح تشتغل تحت عيون المخبرين وهراوات السلطة وسجونهم، وبتمنى اللي جاي ما يكون فيه أي تفريط لأي قطرة دم سالت في غزّة. لكن مع ذلك تبقّى المقاومة جدوى مستمرة.

