في عام 2013، قام عناصر من المقاومة الفلسطينية بإعادة توسعة واصلاحات في أحد المواقع العسكرية شمال غرب مدينة غزة، إلى حدّ ما، يربض الموقع فوق أقدم محلٍ أثري في المدينة .. في حينه كسى خراب مهول معالم واسعة من ميناء "أنثيدون" الأثري غرب مخيم الشاطئ .. لم يستمع أحد لنداءات واستغاثات طالبت بوقف الهدم هناك، ومضى الحدث وكأن ما جرى هو اعتياد التهشيم والدوس على هوية وتاريخنية الوجود وما يستدعيه ذلك من مصادرة لتكوينات أثرية إذا لم تُفهم في سياق الحفاظ على اتصالنا بماضينا فإنها تقف كما السلاح والحجر في وجه زمان أغبر يشي بأحقيتنا التاريخية ويتواطئ ضدها.
استمر هذا الخراب مع استمرار العابثين بنبش جدرانه والبحث عن قطع أثرية مدفونة بداخله-أذكر أن أحدهم كان يشتري قطعًا معدنية منقوش عليها رأس يوليوس قيصر من المنقبين بأثمانٍ بخس ومن ثم كان يبيعها لتاجر آثار فرنسي- هذا الحدث كان يصير يوميٍا وبلا مواربة.
في صيف٢٠١٥ أقرّت دائرة المشاريع ال قطر ية استكمال تشييد شارع "الرشيد"، وقامت جرافات وآلات البناء بهدم معالم الميناء كلّيا، وضُخت أكواب الإسمنت المسلح فوقه، معلنة عن فناء المكان وضياعه كلّيا.
تعرض المكان في ذات السياق إلى سلسلة من الضربات التي ألقت عبرها طائرات الإحتلال آلاف الأطنان من القنابل على الموقع العسكري وفي كل مرة كانت حفر القنابل تنال من المكان ومدفوناته.
إذا لم يعي الفلسطينيون، حقّا، ما حدث هنالك، فإن مجزرة بحق تاريخ وهوية شعبٍ أزيحت بلا رفّة عين ولا بواكي. تشكيلات معمارية تراكمت على قياس آلاف السنوات قبل الميلاد، سحقتها البواريد والجرافات والقنابل والألسنة البحرية، وانتهت.
ميناء "انثيدون" شيده اليونانيون في القرن الخامس ق.م حينما احتلوا غزة بقيادة الإسكندر المقدوني والذي حاصر غزة ودكّ دفاعات الفرس بالمنجنيقات، واستبسل الغزيون مع الفرس بدافعهم عن المدينة وضيقوا الخناق على المقدونيين وأصابوا ملكهم الإسكندر في كتفه، ومع استمرار القتال واشتداد الحصار سقطت أسوار المدينة وهزمت، وقام الإسكندر ببناء الميناء على ركام تلك الأسوار والبوابات. شكّل الميناء المطل على طريق "حورس" البحري رافعة اقتصادية للمدينة حيث كان ممرًا تجاريًا لنقل البضائع من الهند إلى الجزيرة العربية وجنوب الأردن. قام الرومانيون عام 65 قبل الميلاد وبعد احتلال غزة بقيادة "بومبي" عام 63 ق.م بتوسعة الميناء وإنشاء بلدة بحرية سميت "البلاخية" على مساحة كيلومتر مربع، وامتلكت غزة اميتاز الإستقلال في عهد "يوليوس قيصر"، واستمر ازدهار ميناء المدينة إلى حين نشوب معركة "داثن أو الدميثة" والتي التقي فيها جيش عمرو ابن العاص بالرومانيين بقيادة ثيودوروس أخو "هرقل" على أرض الميناء، ..ولأن تجارة العرب آنذاك كانت تعتمد القوافل في نقلها للبضائع أُهمل الميناء البحري وعطّل بعد سيطرة المسلمين على المدينة.
في عام 1996 بدأت المدرسة الفرنسية بموجب إتفاقية وقعتها مع السلطة بحفريات أثرية حول المكان، ووجدوا أثارًا منتمية إلى الكنعانيين فترة (العصر الحديدي/القرن الثامن ق.م) وتشكيلاتٍ أثرية تعود للفترات الفارسية واليونانية والهيلينية والرومانية والبيزنطية والهلنيستية، ويضم المكان فندقًا حصل على لقب أجمل رابع فندق أثري في العالم وفق معايير جمال العمارة والديكور، ومقبرة بيزنطية طُليت قبورها بالفرسكو وأسوارا كنعانية من الطوب اللبن والحجر الرملي وآثارٍ معدنية من الذهب والبرونز والفضة وأجرار من الفخار والجبس تعود لكل الحقب التاريخية التي مرت على المكان وصولًا إلى العهد الإسلامي.
هذا التاريخ ليس موجودا اليوم! انتهى! تاريخ ٢٤قرن ونيف انتهى خلال ٥سنوات! لم يعد له أثر ولا دالة! ما يفعله الفلسطينييون بأنفسهم يتجاوز فداحة السلوك! هذه ليست سلوكيات فادحة! هذه مجازر بشعة تحدث وتطفو على سطح تاريخنا الحديث! وما زالت!
من أجل الرمق الأخير .. من أجل ما تبقى لكم، أنقذوا تل السكن!

