آخر سنتين تلاتة لاحظت انتشار غير مسبوق للمنتديات الشبابيّة والتكنولوجيّة اللي بتحكي عن "ريادة الأعمال" والمشروعات الصغيرة وحواضن التكنولوجيا والـ "Start-Up" في بلادنا. للوهلة الأولى، بتفكّر لمّا تشوف هيك شي إنو الأمر عادي جدّا، خاصّة إنو فيه حاليّا موجة (موضة) في بلدان نامية كثيرة بتشدّد على فكرة إنو التكنولوجيا والاستثمار فيها هي القاطرة للنموّ الاقتصاديّ وخلق فرص العمل وتحقيق الازدهار، وصارت النخب المرتبطة عضويا بالاقتصاد العالمي في هي البلدان كل ما دقّ الكوز بالجرّة تحكيلك عن مشروعها الطموح لاستنساخ "وادي السليكون" الأمريكي في بلدانها، ناهيك عن إنو عصر "الآيفون" والإنترنت السريع اللي بنعيش فيه خلق ثقافة مُعولمة خلّت الشباب اليافع في أماكن مُختلفة من العالم تشوف في أشخاص متل المرحوم صطيف جوبز أو مارك زوكربيرغ نموذج إلهام شديد التأثير وخلقتْ قيم جديدة بتتمحور حول المبادرة الفرديّة والجرأة التجاريّة وخوض مُغامرات الـ "Pitching" (والمقصود فيها عرض فكرة مشروع على مستثمرين وإقناعهم فيها أملا في الحصول على التمويل). كشخص يعيش نوبات اكتئاب مطوّلة ويحقد على الناجحين ويكره الشباب ومبادراتهم إجمالا ويتعامل بريبة شديدة مع أي حدث أو موضوع فيه جانب استعراضي فاقع، فالقصة وغوشتني أكثر ممّا شدتني، لأنو من الجانب الاقتصادي البحت، حكاية الـ "Start-Up" في مجال التكنولوجيا وقصص ريادة الأعمال تبدو مسائل شاذة جدا في السياق الفلسطيني. ليش؟ أول شي من المعروف إنو نجاح هادا النوع من الاقتصاديّات مرهون بوجود بنية تحتيّة شاملة ومترابطة حيويّا بتتضمن مؤسسات التعليم والبحث العلمي والمختبرات وأسلحة الجيش المختلفة وقنوات التمويل الخارجية أو ما يُعرف بالـ "Ecosystem"، وهي البنية مش موجودة عنا أصلا (للاستزادة حول الموضوع إقرأ مقالي في "السفير العربي" في التعليق الأول). تاني شي هادا النوع من المشروعات وكونه مرتبط بالإنترنت بدرجة رئيسيّة محتاج شبكة خدمات رديفة وعلى رأسها خدمات الدفع الإلكتروني وهي الخدمات مش متوفّرة عنا أو مش مُتاحة على نطاق واسع لحتى تسهّل عمليّات بيع وتسويق منتجات هي المشروعات. تالت شي، السوق الفلسطيني صغير جدا والإنفاق الاستهلاكي فيه بيروح في أغلبيته على الأساسيّات وبالتالي فرص نجاح تطبيق إلكتروني للحجز الفندقي أو لطلب الطعام مثلا ضئيلة للغاية وغالبا رح تكون مقتصرة على الشرائح العليا في السلم الاجتماعي (في مدينة "روابي" مثلا). رابع شي، وهو المهم، فأي وطني فتحاوي غيور على شعبه بيعرف إنو آخر ما يحتاجه الاقتصاد الفلسطيني هو هادا النوع من المشروعات لأنو قدرتها على خلق وظائف محدودة كتير ووظائفها مقتصرة على العمالة الماهرة، في الوقت اللي وضعنا كشعب يخوض معركته التحررية ضد الاحتلال وكاقتصاد ينتج الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل سنويا محتاج مشروعات كثيفة العمالة ومشروعات تُحقق قدر من الاكتفاء الذاتي في المجال الغذائي والزراعي. بهذا المعنى بيصير مشغل الخياطة أو مغسل السيارات أو تعاونيّة زراعيّة أهم بما لا يقاس من مكتب فخم قاعد فيه 3 مبرمجين. طيب إذا كانت هي المشروعات كما يبدو من الشرح أعلاه بدون جدوى اقتصادية فشو الدافع وراء انتفاخ فقاعة الـ "Start-Up" وقصص ريادة الأعمال في بلادنا في آخر سنوات إذن؟ الجواب هنا سياسي بحت. لو اطلّعت على غالبيّة المنتديات اللي بترعى هادا النوع من المبادرات رح تشوف إنها مموّلة من جهات غربيّة وعلى رأسها الـ USAID، وبهادا المعنى فهادا النوع من الأنشطة هو استمرار لاستراتيجيّات "الاحتواء والإلهاء" اللي شغالة في بلادنا من عشرين سنة من خلال مؤسسات المجتمع المدني. يعني بدل ما طاقات الشباب الفلسطيني تتوجّه نحو مشروع التحرّر وطرح أسئلة السياسة الحقيقية ومحاولة إيجاد أجوبة عنها، بيتم إهدار هي الطاقات في سلسلة لامتناهية من الأنشطة اللي بتركّز على موضوعات منفصلة عن الواقع: في التسعينات عن السلام والجندر، في أوّل الألفية عن الديمقراطيّة والحكم الرشيد، والآن عن التكنولوجيا وريادة الأعمال، وهكذا دواليك. لكن الجانب الحساس من هي الأنشطة هو إنها في غالبيّتها مجرّد واجهات لنوع جديد من التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل بيساهم فيه بشكل مشترك أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين والإسرائيليين وعلى رأسهم مستثمر إسرائيلي اسمه يادين كوفمان. كوفمان أسس قبل سنوات قليلة صندوق لما يُعرف بـ "رأس المال الجريء" اسمو "صدارة" وهو الصندوق اللي موّل غالبية الـ "Start-Ups" في الأراضي الفلسطينية بآخر كم سنة وموّل كمان شركة اسمها "Freightos"، وهي شركة إسرائيليّة تعمل في مجال تكنولوجيا اللوجستيّات والنقل على المستوى العالمي مقرّها في القدس لكن فريق البحث والتطوير تبعها (R&D) مكوّن من مهندسين فلسطينيين وبيشتغل من رام الله. كوفمان أطلق سنة 2014 برنامج تدريبي لمدة ثلاثة أشهر بيتم من خلاله دعوة الخريجين الفلسطينيين من أقسام تكنولوجيا المعلومات لزيارة إسرائيل للتعرف على قطاع التقنية العالية فيها واكتساب الخبرات والمهارات في هي المجالات من المهندسين الإسرائيليين، ومن هداك الوقت فيه عشرات أو ربما مئات الطلاب الفلسطينيين اللي شاركوا في البرنامج. هذا المستثمر الإسرائيلي نشر قبل عدّة أشهر مقال مطوّل في مجلّة "الشئون الخارجيّة" الأمريكيّة بيشرح فيه كيف الـ "Start-Ups" ممكن تحقق الازدهار لاقتصاد الضفة الغربية، وبعد ما دبج كلام كتير عن السلام الاقتصادي وعن ازدهار قطاع التكنولوجيا الفلسطيني والفرص المتاحة أمام الشباب الفلسطيني، رجع وحكى الاستخلاص الرئيسي وهو إنو إمكانيّة نشوء اقتصاد "Start-Ups" في الأراضي الفلسطينيّة غير ممكنة بدون المساعدة الإسرائيلية وإنو أفقها النهائي هو الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإنو قطاع التقنيّة الإسرائيليّ ممكن يستغلّ الفرصة ويوظّف كفاءات فلسطينية بتكاليف أرخص (طبعا هادا الكلام بيحكيلنا كيف إنو ولا شي تغيّر في منطق الإلحاق الإسرائيلي من 50 سنة، يعني لما إسرائيل كانت اقتصاد المشروعات الكبيرة الاشتراكي في السبعينات والثمانينات كان ضروري الاعتماد على العمالة الفلسطينية الرخيصة ولما انتقلت لنموذج اقتصاد التقنيّة العالية فهي ممكن كمان توظف عمالة فلسطينية ماهرة بأجر أقل)، وإنو أهمية الشراكة الفلسطينية الإسرائيليّة في هادا المجال نابعة من حقيقة إنو المستثمرين الإسرائيليين بيقدروا يدخلوا من خلالها إلى الأسواق الخليجيّة اللي هي أكتر أسواق في المنطقة العربية بتستهلك خدمات التكنولوجيا والإنترنت لأنو الكفاءات الفلسطينية بتعرف لغة هديك البلاد ورأس المال الفلسطيني له باع طويل في الاستثمار فيها، وبهادا المعنى فالطريق من تل أبيب إلى الرياض وأبو ظبي لازم تمر بشكل ما في رام الله .. وكلو بالحب.

