تبدو «إسرائيل» مستنفرة، فمتغيرات المنطقة، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، كبيرة، وليست في مصلحتها، بوصفها نظام استعماري استيطاني عنصري، فُرِضَ بالقوة العسكرية، وبممارسة أبشع أشكال التطهير العرقي، وبالدعم الاستعماري «الغربي» الشامل الذي أنشأ هذا الكيان وأكسبه شرعية دولية، وشجعه على مواصلة التوسع والعدوان والتصرف ك«دولة» مارقة فوق كل قانون دولي وإنساني.
أما أبرز هذه المتغيرات التي تستنفر صُنَّاع القرار السياسي والعسكري والأمني «الإسرائيلي»، فمتغيران، هما:
الأول، توافر فرصة جدية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، بمعزل عما ينتصب أمامها من عراقيل داخلية وخارجية. ف«إسرائيل» كانت، ولاتزال، اللاعب الأساسي، في وقوع هذا الانقسام، وإطالة أمده، وما تلاه من تقاسم ل«السلطة الفلسطينية» بين حركتي «فتح» و«حماس». ولعله لا يعرف من قوانين الصراع غير اسمها كل من أشاع، فور انطلاق الحوار «الفتحاوي» «الحمساوي»، برعاية مصرية، بأن «إسرائيل» والولايات المتحدة قد رفعتا «الفيتو» عن المصالحة، فواشنطن التي رحبت بالجهود المصرية، أعلنت، الأسبوع الماضي، على لسان وزير خارجيتها، أن «الإدارة الأمريكية تراقب عن كثب مجريات تطبيق اتفاق المصالحة». أما ما لم تعلنه واشنطن صراحة، فقد أعلنته «إسرائيل»، بداية على لسان رئيس وزرائها، نتنياهو، ثم عبر بيان رسمي أصدره، يوم الثلاثاء الماضي، ما يسمى «مجلس الوزراء المصغر»، وفحواه: «لن تفاوض حكومة «إسرائيل» حكومة فلسطينية تشارك فيها حماس، إلا إذا لبت الأخيرة، شروط «اللجنة الرباعية»: الاعتراف ب «إسرائيل»، وتفكيك بنيتها العسكرية، ونبذ الإرهاب». هذا علاوة على الإفراج عن الجنديين الحيين المحتجزين في قطاع غزة، وسيطرة السلطة الفلسطينية الفعلية والكاملة على قطاع غزة، وعلى إدخال الأموال والمساعدات إليه، والقيام بمنع تهريب السلاح منه وإليه، وبملاحقة وتفكيك بنية «حماس» في الضفة. يعني إلزام «حماس»، وكل الفصائل المعارضة باتفاق أوسلو، ومفاوضاته، والتزاماته الاقتصادية والأمنية. لا عجب، فما يهم «إسرائيل»، بدعم أمريكي، ليس إجراء المصالحة الفلسطينية من حيث المبدأ، بل الأساس السياسي الذي تُبنى عليه، فحكومة «إسرائيل» معنية بتولي «السلطة الفلسطينية» أعباء قطاع غزة الأمنية، ومعالجة أزمته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية المتفاقمة بفعل عشر سنوات من الحصار الظالم والحروب العدوانية المدمرة، لأن بقاء أزمات القطاع على ما هي عليه سيقودها، عاجلاً أم آجلاً، إلى انفجار الغزيين وحدهم، بل، ربما، الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم، وفي الضفة و«مناطق 48»، تحديداً. أما بناء مصالحة على أساس سياسي يتجاوز تعاقد أوسلو وشروطه والتزاماته، فلن يكون إلا في مواجهة حكومات «إسرائيل»، على اختلاف مشاربها الحزبية. فاتفاق أوسلو، بكلمات مهندسه، شمعون بيريز، هو «الإنجاز الصهيوني الثاني بعد إنجاز الاستقلال»، أي قيام «إسرائيل».
أما المتغير الثاني فالهزائم العسكرية المتتالية ل«داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى في كل من العراق وسوريا، تُفقد «إسرائيل» وحلفاءها الدائمين، خصوصاً الولايات المتحدة، ورقة استراتيجية لعبوا بها لمدة ست سنوات، بهدف تدمير وتجزئة أكثر من دولة عربية، سياسياً ومجتمعياً واقتصادياً وعسكرياً. في ستينات القرن الماضي قال مؤسس «إسرائيل» ونظريتها الأمنية، بن غوريون، رداً على سؤال: أين يكمن عامل القوة الأساس ل «إسرائيل»؟ أجاب: «ليس فيما نحوز من قوة عسكرية أو اقتصادية أو علمية.. بل في حال ألا يكون بجوارنا جيش مصري، ولا جيش سوري، ولا جيش عراقي»، وقطعاً يقصد ولا أي جيش عربي. وفي الممارسة جرى تحقيق حلم بن غوريون، (وكل ورثته في حكم «إسرائيل»)، بسيناريوهات مختلفة، كان أبرزها تدمير ثلاثة جيوش عربية في عدوان 1967، وحل الجيش العراقي على يد الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق، والمحاولة الفاشلة لتحويل الجيش المصري إلى قوة شرطية بعد إبرام معاهدة كامب ديفيد عام 1979، وضرب قوات الثورة الفلسطينية في لبنان وتشتيتها في عدوان عام 1982، وصولاً إلى إشغال أغلب الجيوش العربية، على مدار ست سنوات، في محاربة التنظميات التكفيرية الإرهابية المختلفة، كأدوات لم يعد خافياً أن «إسرائيل»، وحليفتها الثابتة الولايات المتحدة، تقف في مقدمة الدول التي تستخدم هذه التنظيمات وتمدها بالمال والسلاح.
والسؤال، هنا، هو: هل تدفع هذه المتغيرات الجديدة «إسرائيل» القلقة والمستنفرة نحو شن حرب جديدة، بهدف إعادة خلط الأوراق في المنطقة، وبما يخدم مواصلة عمليات مصادرة الأراضي والاستيطان والتهويد الجارية على قدم وساق وبوتائر غير مسبوقة؟ هذا سؤال مشروع، ويحتاج إلى معالجة أخرى قادمة.

