لم يكن مُمكناً أن تقوم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمهمة تحديد هُويتها السياسية والفكريّة ورؤيتها التنظيميّة وأهدافها الاستراتيجية العامة مع انطلاقتها الرّسمية في 11 ديسمبر عام 1967، أو أن تتصدى لهذه المهمة الفكرية الصعبة في سنة الولادة والنشأة الأولى، وذلك ببساطة شديدة لأن الجبهة الشعبية، كما هو معروف، انطلقت تحالفاً جبهوياً ضَم أكثر من فصيل ومجموعة ثورية مقاتلة، ولم تنظر في حينه إلى نفسها بوصفها حزباً سياسياً مُوحداً تحكمه رؤية مركزية شاملة وقوانين وضوابط داخلية.
إن طبيعة وظروف الانطلاقة وتعقيداتها وشروطها ظلّت كابحاً صلداً عنيداً حال دون تحقق هذا الشرط اللازم لإقلاع الرؤية الفكرية والسياسية والتنظيمية بهذا الحزب، الرؤية الاستراتيجية التي تعّبر عن جوهر مشروعه الثوري، وقبل كل شئ: تبرر وجوده وحضوره.
يمكن القول، أن المحاولة الجادة والناجحة الأولى التي جرت على هذا الصعيد تحققت في نجاح مدهش بعد مؤتمر شباط عام 1969، وبعد انشقاقين في جسم الجبهة الشعبية رافقهما حالة من التصدع والإرتباك وعاصفة من التيه الفكري والسياسيّ والتنظيميّ، فضلاً عن صراعات وتناقضات داخلية وشخصية، أكثرها مفتعل أو مبالغ فيه كادت في بعض الأحيان أن تودي بهذا الحزب الثوري الجديد. خصوصاً في فترة ما بعد هزيمة وعدوان 1967 حين وجدت كل الأنظمة العربية تقريباً " القومية " و" الرجعية " على حد سواء وجدت في دعم اليمين الفلسطيني حلاً وطريقاً لمواجهة خطر اليسار العربي الثوري القادم مع هذا الحزب الجديد. وهكذا، جاءت رؤية الجبهة الشعبية إلى الحياة والنضال كولادة متعثرة وصعبة ودامية أيضاً.
إن خلاصة وحصيلة الأفكار الرئيسية والمركزية التي شكّلت قاعدة الإنطلاقة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تجلّت بوضوح كما ذكرنا في المؤتمر الوطني الثاني للجبهة في شباط عام 1969. في هذا المؤتمر، وما تلاه من جهد فكري وسياسي، تحددت أهداف وهوية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الوثيقة التاريخيّة المعروفة باسم " الإستراتيجية السيّاسية والتنظيميّة " .
إن وثيقة " الاستراتيجية " ستشّكل قاعدة الانطلاقة والبوصلة الهادية للحزب الثوري في تطوره لاحقاً. ولا تزال هذه الوثيقة هي المرجعية الشرعية له حتى هذه اللحظة، ولقد خضعت كغيرها من وثائق الجبهة إلى المراجعة والنقد والتصحيح، حدث ذلك في المؤتمر الوطني الرابع عام 1981 ثم في دورة اللجنة المركزية العامة 1983 وصار من الواجب اليوم إعادة قراءتها وتفحصها وتحديثها ونشرها على أوسع نطاق أيضاً.
وبرغم مرور سنوات طويلة على إصدارها وبرغم تجاوز الواقع الموضوعي لجزء من نصوص " الاستراتيجية " إلا أن المقولات والأفكار الرئيسية الواردة فيها لا تزال صحيحة ومتماسكة؛ فهذه الوثيقة التاريخيّة تُشّكل حجر الزاوية والأساس دونها يصعب قراءة تاريخ هذا الحزب وفهم علاقته وحركته مع الفكر والسياسة والتنظيم ومعرفة الشروط والفضاءات التي انطلقت فيها الجبهة، كحزب ثوري ديمقراطي وكيف عبّرت عن جوهر مشروعها الفكريّ العام.
وليس غايتنا من كل ذلك استحضار " التاريخ " شكلاً ونصاً، بقدر ما نريد أن نؤكد على ضرورة قراءة هذه الوثيقة أكثر من مرة إذا أردنا أن نفهم روح وشخصية وملامح الجبهة الشعبية، دون التخلي عن مهمة وشرط التجديد، وجردة حساب نظرية مفتوحة ومستمرة مع الذات وإجراء وقفات جريئة صادقة وعلمية تعتمد القراءة العلمية سلوكاً ومنهجاً وطريقاً، وأداة معرفية ثورية تبحث في الواقع بعين صارمة وتنطلق من الواقع المادي ومن نتائجه ودروسه وحقائقه.
هكذا فقط يمكن أن يختبر الحزب قدرته على اجتراع الجديد دون المساس في الجوهر، لأن أي جديد حقيقي يجب أن يكون" ابن بيئته" ويعّبر عن حاجة موضوعية وليس شخصية، ويراكم على مداميك سابقة ويتواصل مع تجربة تاريخية فيأتي جواباً على أسئلة جديدة وعلى تحديات الراهن والعصر ويستشرف ويتوقع المستقبل.
الأهداف الاستراتيجية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واضحة ولم تتغير، وكل الوثائق التي صدرت عن مؤتمرات الجبهة أكدت على ذلك؛ فالتغيير لا يكون في الجذور والساق بل في الأغصان والأوراق والفروع. أما الجذور يجب أن تظل صلبة وضاربة في أرضها. لأن "التجديد " أحياناً يكون (كلمة حق يراد بها الباطل) يمكن أن يأتي في حلة رجعية أيضاً أو يرتدي قناعاً مزيفاً ولو كان " جديداً " بل أكثر من ذلك، أحياناً يكون " الجديد " هو التخلي الشامل عن الاستراتيجية إلى حدود الهزيمة.
إن استراتيجية الجبهة الشعبية تؤكد على حقيقة أننا لا نبدأ من الصفر، فلا صفر في الفكر والتاريخ والنضال، والجبهة بوصفها حزباً ثورياً ديمقراطياً يمتلك تجربةً تاريخيةً غنيةً عمرها نصف قرن، وعاشت حالة دائمة ومستمرة في أتون المعركة والمواجهة، وحالة من الجدل والحوار والعصف والجدل الفكري في مسيرة نصف قرن من الصح والخطأ، ومن الانجازات والعثرات، ونريد لهذه الحالة الطبيعية الضرورية أن تظل مُنسجمة مع قوانين الحياة ومع الأهداف الوطنية العامة لهذا الحزب الثوري، وهذه كلها شروط للتقدم والبناء.
إن هذا كله يدفعنا كي نقف ونفكر ونقرأ من جديد " استراتيجيتنا ". لأن الاستراتيجية تعني في الجوهر الطريق والبوصلة والهدف. ونحن نشارف اليوم على نصف قرن من عمر الجبهة الشعبية لابد من التأمل والتقييم واستخلاص الدروس والإجابة الجماعية على السؤال الجماعي بعد 50 سنة: كيف وصلنا إلى هنا ؟ وإلى أين نمضي ؟

