لاشيء بلا ثمن، يطرد السودان البعثة الدبلوماسية الإيرانية، ويزج بشبابه في أتون حرب قذرة في اليمن وعدوان مشين ضد الشعب اليمني كأداة للنظام السعودي، وفي المقابل تتوسط السعودي لدى الكيان الصهيوني ليضغط بدوره في واشنطن لرفع العقوبات عن السودان، ولكن ثمن الصفقة أكبر من هذا بكثير، التخلي عن الشعب الفلسطيني، وفتح الأبواب للمد الصهيوني في بلاد السودان.
"مرحبا بكم في الخرطوم"، هكذا يبدأ تقرير الصحفي الصهيوني إلداد بيك، جولته في عاصمة (اللاءات الثلاث)، ويبلغنا بصلف، أن هذه اللاءات سقطت أمام المد الصهيوني، كما يسقط كل شيء في العالم العربي.
ولماذا يجب أن تكون الخرطوم عصية أكثر من القاهرة أو الرياض أوعمان؟ ألم يصبح العالم العربي مخترقا من أقصاه إلى أقصاه، إن لم يكن بالجواسيس فبالسياح وإن لم يكن بالسياح فبرجال الأعمال وإلا، عندما يلايكون هناك استثمارات مطلوبة، بمراسلين يجوبون البلاد طولا وعرضا.
وصل الصحفي الصهيوني إلى السودان بعد أيام من قرار الإدارة الأمريكية إزالة جزء من العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ عام 1997، والتي خنقت الاقتصاد السوداني لمدة عشرين عاما، فيما خلق هذا تفاؤلا لدى السودانيين بأن إزالة اسم بلادهم من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب هو مسألة أيام.
يزعم الصحفي الصهيوني أن بعض محاوريه السودانيين تحدثوا معه بتقدير لـ"إسرائيل" ويرى مواطنون آخرون أن النظام السوداني أقدم على صفقة سيئة، إزالة العقوبات مقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني.
يتحدث الصحفي الصهيوني عن عهد جديد في السودان، لصالح العلاقات مع الكيان الصهيوني، وتحت ذات التبرير الوضيع الذي تستخدمه دول عربية عديدة وبالذات السعودية: محاربة الإرهاب! ولكن أي ارهاب؟
يذكر الصحفي بتباه عنوان صحيفة في الخرطوم لم يذكر اسمها، تباع في الشارع كما غيرها، وقد عنونت بخط أحمر عريض " "التطبيع مع إسرائيل هو الاتجاه العام للدول العربية".
يزعم الصحفي "لم أستطع أن أصدق ذلك. أنا في الخرطوم، التي برز اسمها عاصمة المقاومة للصهيونية ونتائجه العملية: إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل، في قلب العالم الإسلامي. وفي نهاية آب / اغسطس 1967، وبعد بضعة اسابيع فقط من انتصار اسرائيل في حرب الأيام الستة، عقدت قمة عربية في الخرطوم بمبادرة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وصيغت هناك مبادئ سياسة الرفض التي استرشد بها معظم دول العالم العربي تجاه إسرائيل لعقود من الزمن: لا صلح ولا اعتراف ولامفاوضات، ما يسمى بسياسة اللاءات الثلاثة ". ولكن الان نقاش التطبيع أصبح علنيا وهاهي صحيفة تنشر ذلك ولاأحد يشعل النار بها.
.ويتحدث الصحفي عن جريدة "الأمة" ونقلها تصريح الوزير صادق الهادي حول التطبيع والعلاقت مع "إسرائيل" وإن ظهور تهنئة اسماعيل هنية للبشير بإزالة العقوبات عن السودان أسفل هذا الخبر يشير إلى التوتر والجدال والنقاش المحتدم في السودان حول هذا الموضوع.
ورصد الصحفي، بالونات اختبار عديدة أطلقتها أطراف في السلطة السودانية لاختبار رد فعل الناس على فكرة التطبيع مع "إسرائيل" ، ترافقت مع انقلاب مشين ضد الفلسطينيين، حسب تخاريف الوزير السوداني مبارك المهدي، وزير الاستثمار الذي أراد الاستثمار في الهجوم على الفلسطينيين لانعاش استثمار مع الصهاينة على ما يبدو، محملا الفلسطينيين مسؤولية ما جرى لهم، ويؤكد الصحفي الصهيوني أن الشارع السوداني بلا شك يدرك أن شيئا يجري من وراء الكواليس في العلاقات الثنائية مع الكيان الصهيوني، مذكرا أن الكيان لعب دورا أساسيا في في إقناع الولايات المتحدة برفع العقوبات عن السودان.
جزء من الصفقة الكبيرة، طرد الدبلوماسيين الإيرانيين، وزج الشباب السوداني في حرب قذرة في اليمن، لمصلحة النظام السعودي، واقناع السودانيين أن لهم دور في الكفاح الدولي ضد تنظيم القاعدة وداعش في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل. بدورهم السعوديون طلبوا من "إسرائيل" المساعدة في إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب.
ومع ذلك، فإن مسألة العلاقات مع الكيان لا تزال يثير عاصفة من العواطف بين الكثير من السودانيين، وبعضهم يرحب بالمساعدة، كما يقولون، وخلق حوار بناء مع واشنطن و إزالة الحواجز السياسية والدبلوماسية التي حالت دون رفع الجزاءات حتى الآن، لكن البعض يقول ان ثمن ذلك سيكون "بيع" حقوق الفلسطينيين والتخلي من السودانيين والعرب عن فكرة اقامة دولة فلسطينية" . وبعض السودانيين لاينسون دعم الكيان لجنوب السودان وتشجيع الانفصال.
لكن النظام يعرف كيف يبتز شعبه بلقمة العيش، ففي بلد يعيش فيه أكثر من 60 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويبلغ متوسط الراتب الشهري حوالي 150 دولارا، فإن الناس يتطلعون بيأس للاستثمارات الخارجية. وربما يكون هذا هو السبب في أن النظام يعد الشعب بالمن والسلوى من العلاقات الكيان الصهيوني ويلخص الصحفي الصهيوني انطباعاته في الخرطوم: السودانيون لا يحتاجون إلى دعم إسرائيلي فقط في واشنطن. ويودون أن تساعدهم "إسرائيل" على إعادة بناء البنية التحتية لاقتصاد بلادهم وبناء السودان المزدهر والمزدهر.

