في الآونة الأخيرة، وتقريبًا منذ بدء أزمة الخصومات على الرواتب، وتردي كل شيء في غزة، أصبحت أخلق أعذارًا للكثيرين ممن لا تعجبني تصرفاتهم حولي، في الشارع وفِي أي مكان أكون فيه، وأحاول ألا أتضايق من الأمر، أقول: طولي بالك.. الناس زهقانة وتعبانة.
اليوم مثلاً في طريق العودة إلى البيت وكانت الساعة قد تجاوزت الرابعة والنصف، طلب مني السائق أن أنتظر قليلاً ليحمّل ركاب عند منطقة الجامعة تمامًا.
انتظرت خمس دقائق، الراكب في الخلف شعر بالضجر وترك السيارة - أعترف اني كنت افعل ذلك دائمًا قبل شهور قليلة - أما أنا فبقيت هادئة بانتظاره.
جاء ومعه راكب آخر، يقول: معلش يختي تأخرنا عليكي، بس كنت بدي احمل ركاب.. بتعرفي الوضع.. والله ما انا عارف ليش بطّل حتى في ركّاب بالشارع.
قلت له: "انت ركبت واحد جديد وفقدت واحد"، حينها انتبه إلى ان الراكب قد غادر السيارة.
طلب منا ان ننتظر مرة أخرى ليأخذ "لفة" او "اتنين " ليعود مرة أخرى من النقطة التي كنتُ عندها بعد ان كان قد عبر شارعين اخرين.. الغريب فعلاً أني بقيت هادئة.. قال مرة اخرى: تقلقيش يختي حتوصلي قبل المغرب.
طبعًا سمعنا صوت الأذان بعدها بدقائق قليلة ونحن لا نزال في منتصف المسافة إلى البيت.
السائق حمّل راكبين آخرين قاصدين وجهة غير وجهتي، نظرت إليه، قال: حوصلك اول يختي تقلقيش.
كنت اريد ان أقول له: مضلش فيها تقلقيش يخو.
ما لفتني، ان طوال الطريق كان يعدّ نقوده، شيكلاً تلو الآخر، ليحسب كم كسب طوال النهار، بينما كنت أنا أفكر: وأخيرًا كبرنا وعرفنا شو يعني يكون ورا الواحد مسؤولية، وشو يعني انو يروّح بيته تعبان بكل قرش معه وحصل عليه من نهاره المتعب.
ويظل الامر مقلقلاً له، يفكر بدوره: هل سيكفي راتبي هذا الشهر لمصروف العائلة والبيت والأولاد؟ هل سأوفي ديوني والتزاماتي؟ ما العذر الذي سأخلقه هذه المرة لكي لا أُحرج مع الدائن لاني ان أستطيع ردّ نقوده هذا الشهر؟.

