Menu

عليا.. شمعة أمل

صادق الشافعي

لست أنا كاتب هذا المقال. إنه مساهمة من صبية فلسطينية لغتها الأصلية هي الانجليزية. دوري يقتصر على التعريف بكاتبتها وترجمة المساهمة، واعترف ان النص الأصلي أكثر جمالاً.

 أتحمس لنشر المساهمة لأنني أرى فيها شمعة تضاف الى شموع كثيرة هي مجتمعة ما يُبقي جذوة الأمل متقدة ويؤكد قوة وتجذر الانتماء للوطن والهوية، وهما معاً، وقود الاستمرار والتشبث بالحقوق وفتح طرق ومسالك خلاقة لمواصلة السير بالاتجاه الصحيح نحو النصر الأكيد.

كاتبة المقال صبية فلسطينية، والدها من غزة، أما والدتها فهي انجليزية. الصبية نشأت ونمت ودرست حتى الثانوية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم حصلت على الماجستير في حقوق الإنسان من بريطانيا، وهي تحمل الجنسية البريطانية.

بهذه المؤهلات كان يمكنها العثور على وظيفة مناسبة وتكمل حياتها خارج الوطن.

لكن شكراً للعائلة، وللأم بالخصوص التي حرصت ان تأخذ طفليها منذ الصغر الى غزة في معظم إجازات الصيف. وحين تكون الأوضاع مساعدة تدخل مع ولديها إلى فلسطين عن طريق الجسر الى الضفة أولا، لتعرّف أطفالها على الضفة وعلى القدس .

 وشكراً أيضا للجدة الصامدة في غزة التي كانت تجد طفلتنا لديها من رحابة الصدر وحنان الجدة والصبر في التعريف بالوطن وشرح واقعه وظروفه وتاريخه ما جعل التعلق بالأهل وبالوطن ينمو طبيعيا هادئا ومستقرا في عقل ووجدان الصبية.

 حين وصلت الصبية الى لحظة الاختيار لحياتها وعملها ومستقبلها اختارت بثقة وثبات، اختارت فلسطين - وطنها.

 مؤهلات الصبية ومثابرتها أهّلاها لعمل اجتماعي مع إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في فلسطين 1948. ومن هناك كتبت:

« أحببت وطني التي عاشت جدتي كل حياتها فيه. أدركت أنني لن استطيع ان أبتعد مطولاً عن تراث ارتديته على أكتافي كشال ثقيل وغير مريح. وقعت في حب فلسطين عندما قرأت «في حضرة الغياب» لمحمود درويش واستقرت مشاعري المعقدة في مكانها كما تستقر قطع أحجية لتشكل صورة لفلسطين في وجداني.

اكتشاف فلسطين سمح لي أن أجد نفسي، بالرغم من عقبات الحدود والجوازات واللغة. الغوص تحت ركام حزني على جدتي وندمي لأنني لم استثمر وقتا أطول معها جعلني أشعر بهدفي. وجدت تفسيرا لشعوري بالانزعاج كلما رأيت منتَجاً إسرائيليا في السوبرماركت وكلما ذكر الأصدقاء بأنهم يفكرون بقضاء العطلة على شواطئ تل أبيب، وكلما أحاول التحدث بالعربية ولساني يرتبط في فمي ويسكتني.

ولذلك عدت، ليس الى غزة من حيث أتت عائلتي بل الى الضفة الغربية كأقرب ما استطعت. هناك استعدت أسطورة قوة فلسطين كما شرحها لي والدي والكتب والمقالات التي لا تعد والتي قرأتها في محاولة لفهم تاريخي وجذوري.

كان ذلك في اختبار الكرامة يومياً على الحواجز وفي الإصرار على كون عكا وحيفا ويافا فلسطينية. والأهم في الحقيقة الخالصة بالوجود الفلسطيني وقوة واستمرار هذا الوجود في أوضاع صعبة وظروف معاكسة. مواصلة الوجود بهامة مرفوعة وإحساس بالفخر والاعتزاز بشدة لا زلت لا أفهمها.

ما زلت غير متأكدة تماماً اذا كنت قد وجدت او تركت جزءا مني في شوارع رام الله ونابلس و الخليل وأنا أتجول فيها لاستيعاب كل منظر وصوت ورائحة.

حب اي شيء عن بعد مشوب بالصعوبة، والوطن ليس استثناء لهذا القانون. لا يمر يوم لا استرجع فيه صورة تلال فلسطين وأتصارع مع اشتياقي لوضع قدمي على الأرض التي ربت عليها جدتي ثمانية أطفال. وفي نفس الوقت اشعر أحيانا بالاستياء وبرغبة ألاّ أشعر بأن علي الالتزام بسياسة ان أكون فلسطينية.

ان ما لا يفهمه الناس حول طبيعة الهوية الفلسطينية ان فلسطين كشخص في وجهه ندب جرح عميق بشع لا تستطيع ان تشيح بوجهك عنه، اعرف كيف كانت فلسطين قبل ندوب النكبة والاحتلال، الشواطئ الجميلة وبساتين الزيتون الوفيرة والثقافة الغنية.

هناك جمال فيها ولكنه مشوه ببشاعة المصادرة والظلم والاحتلال. وكما يمكن للناس الآخرين التحديق في الوجه ذي الندوب المثيرة للرعب وقد يتعاطفون مع صاحبه فانهم يستطيعون إدارة وجههم عنه، ولكنني لا املك هذه الرفاهية، لا استطيع أن أشيح بوجهي عن فلسطين لمجرد أنه من الصعب النظر اليها، فانكار الجروح لا يلغيها، وجراح فلسطين هي جراحي، وهذا ما يجعلني فلسطينية.

لقد علقت في شباك مؤلمة من الحزن التي علق بها كل الفلسطينيين سواء في الضفة او القطاع او أراضي 48 او في الشتات، انه كرب شبيه بذلك الذي يلف افراد العائلة عند فقدان عزيز.

معا تم القبض علينا بأيدي الزمن القاسي في هذه اللحظة من التاريخ وحكم علينا بوجع القلب هذا.

ومع ذلك لا نية لدي لتقديم هويتي الفلسطينية بحزن وأسى، انها أفضل هدية قدمها لي والدي، لقد غمرتني بتاريخ من المآسي ووضع داخلي وخارجي صعب الا أنها كافأتني بأنني أنتمي لقوم صامدين ومقاومين يرعون نضالهم بالموسيقى والشعر والأدب الرائع ولن أتنازل عن انتمائي لمحمود درويش و غسان كنفاني والكنافة والعود من أجل حياة أسهل.

ومن أجل ذلك أحاول جاهدة لإبقاء وتطوير فلسطينيتي، أحاول التحدث بالعربية ما أمكنني ( بالرغم من حالات الخجل والتلعثم التي تصيبني أحيانا)، احاول طبخ الطعام الذي يعده والدي بمهارة، أحاول فهم واستيعاب تفاصيل الثقافة وبسرعة ونهم أحاول التهام كتابات خليل السكاكيني وسياسة جورج حبش وموسيقى الثلاثي جبران وأفلام إيليا سليمان.

لقد أدركت أنني كفلسطينية في الشتات تكمن مقاومتي في حفاظي على هويتي وبالرغم من صعوبة هذه المهمة إلا أنها بالمقارنة مع أقراني في الضفة والقطاع وارض 48 تصبح مسعى سهلا.

إن المعركة من أجل الوجود لأهل الشتات يجب أن تكون معركة تذكر النفس والتاريخ والوطن المنسي.

من الشتات الى القدس ألمنا واحد، نضالنا واحد.»

 

نقلاً عن : الأيام