من الممكن القول وبطريق أقرب إلى اليقين أن قرار الرئيس الأمريكي مساء الأربعاء الموافق السادس من ديسمبر عام 2017، بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ، هو بمثابة التأسيس الثالث لدولة إسرائيل باعتبار أن إعلان قيام إسرائيل وحرب 1948 كان التأسيس الأول، وعدوان 5 يونيو عام 1967 واحتلال إسرائيل لبقية الأراضي الفلسطينية والجولان وسيناء هو التأسيس الثاني، ولا شك أن هذا التأسيس الثالث للدولة اليهودية بقرار نقل السفارة إلى القدس لا يقل من حيث آثاره أو تداعياته عن مراحل التأسيس التي سبقته، ذلك من زاوية دعم الأسطورة اليهودية والصهيونية الدينية وتعزيز مصداقية الرواية الصهيونية حول فلسطين وتحقيق الخلاص عبر إقامة الدولة اليهودية وعودة اليهود إليها.
تجاهلت الإدارة الأمريكية الحالية حقائق أساسية لا تتعلق فحسب بحقيقة المدينة العربية والإسلامية وطبيعة المطالب العربية والإسلامية والرمزية الدينية التي ترتبط بالمدينة المقدسة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، بل تتعلق أيضاً بالوقائع والحقائق التي تخص الموقف الأمريكي من المدينة المقدسة في كافة العهود والإدارات، أول هذه الوقائع أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تعترف بسيطرة إسرائيل على القدس الغربية إبان حرب 1948، والتي لم تكن تدخل ضمن المساحة التي خصصها قرار التقسيم للدولة اليهودية الصادر في عام 1947، بل خصص هذا القرار رقم 181 لعام 1947 للمدينة المقدسة بشطريها الغربي والشرقي وضعية دولية خاصة وتدار من خلال إدارة دولية ومجلس تمثيلي لكافة الطوائف الدينية في القدس، ولم تعترف بسيطرة إسرائيل على القدس الغربية والسيادة عليها إلا دولتان فقط هما كوستاريكا والسلفادور ونقلا سفارتيهما إليها، وما دون ذلك من الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية لم تعترف بسيطرة إسرائيل على القدس الغربية احتراما للقرار الأممي لتقسيم فلسطين والذى حرص رغم سوءاته ولا أخلاقيته على مراعاة الحساسية الدينية والرمزية لوضع المدينة المقدسة لدى الديانات الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، واستمر هذا الوضع حتى عام 1989 عندما وقع اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لتأجير قطعة أرض في القدس الغربية مساحتها 31.250م2 ويمكن اعتبار هذا الاتفاق بمثابة جذور وبداية اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على القدس الغربية، من ناحية أخرى لدى شك أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلم أو يعرف أن موقع السفارة الأمريكية فى القدس المزمع نقل السفارة إليه مملوك للأوقاف الإسلامية وبعض العائلات الفلسطينية من اللاجئين وفقا لمعلومات ووثائق أمريكية تثبت ملكية أرض السفارة الأمريكية لعائلات فلسطينية وفق الشهادات والمستندات التي تم الكشف عنها في بحث تاريخي أشرفت عليه مجموعة من الباحثين والمؤرخين الفلسطينيين الذين تكلفوا عناء البحث عن هذه الوثائق والمستندات في مختلف الهيئات الفلسطينية والأمريكية والبريطانية والأمم المتحدة من المؤكد أن الخارجية الأمريكية تعلم بوجود هذه المطالبات، ولكنها سواء أحاطت ترامب علما بذلك أو لم تحطه؛ فالرجل مدفوع بدوافع غامضة وغير مفهومة، أو أنها تفهم على ضوء المرجعية الدينية الصهيونية التي يبدو أن الرئيس قد استوعبها، والأهم من ذلك أنه يمجد القوة والعنصرية وكما منح الأولوية في خطاباته وتصريحاته لأمريكا «والبيض»، فهو الآن يمنح الألوية لإسرائيل واليهود.
تتجاوز خطورة القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس البنى الرمزية والأسطورية والدينية من حيث أنها ترجمت هذه الخلفيات الغامضة والبدائية التي تسبق ظهور العقل الحديث، إلى فعل مادى ملموس ومتعجل، أي فتح باب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وحسم إحدى القضايا الشائكة التي اتفقت الأطراف على تسويتها من خلال التفاوض والحوار، كما أن القرار يفتح الباب للتنكر لحقوق اللاجئين في ممتلكاتهم.
ولا تقف خطورة هذا القرار عند هذا الحد، بل هو يمنح إسرائيل أيضا «صك غفران» جديد لحل بقية قضايا الوضع النهائي على طريقتها ووفق مفهومها للسلام، وبالذات قضية اللاجئين الفلسطينيين والحدود والمياه والمستوطنات والسيادة وما دون ذلك من القضايا، باختصار فإن قرار ترامب رفع عن إسرائيل حرج التصرف الأحادي هذا إذا كانت إسرائيل تشعر بذلك- ومنح شرعية لتصرفاتها وقراراتها الأحادية في القضايا التي ترى ضرورة حسمها من جانب واحد، وفق تصورها لأمنها القومي، لقد منح قرار ترامب القوة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الاعتراف والشرعية والأخلاقية حيث اعترف بنتائجها على الأرض، وفى الواقع دون النظر إلى القرارات الدولية والأممية التي لا تزال حتى الآن مرجعية التسوية والمفاوضات.
وبالإضافة إلى ذلك فإن قرار ترامب يفتح الباب واسعا أمام إسرائيل لتنفيذ وتحقيق الحل الإقليمي كبديل لحل الدولتين.
لقد افتتح هذا القرار مرحلة جديدة في الصراع العربي – الإسرائيلي، والصراع - الفلسطيني ـ الإسرائيلي، حيث لم يعد في مقدور الولايات المتحدة بعد الآن أن تحظى بدور الوسيط النزيه أو الراعي لعملية السلام بل هي شريك منحاز لإسرائيل شكلا وموضوعا، وعلى الدول العربية أن تفيق من وهم السلام الأمريكي فهو إهدار للوقت وتبديد للجهد والزمن وراء سراب لا يبدو أن من ورائه طائلا.
الدول العربية والشعب الفلسطيني مطالبان أكثر من أي وقت مضى بإعادة تقييم الاستراتيجيات المتبعة حتى الآن، وتنحية الأوهام والنوايا الطيبة جانبا، والبحث جديا في تعظيم وتعزيز القوة المعنوية والمادية والدبلوماسية في إطار الاختيار الجديد، واستناده إلى قوة فعلية على الأرض في المواجهة الإسرائيلية ـ الفلسطينية ـ العربية، ولن يتأتى ذلك إلا عبر المقاومة الذكية والطويلة للاحتلال وإجباره على دفع الثمن بكافة الوسائل والأساليب التي أصبحت جميعا مشروعة في مواجهة الموقف الراهن.
الولايات المتحدة الأمريكية لن تقف عند حدود قرار نقل السفارة إلى القدس، بل ستذهب بعيدا حتى لا يبدو موقفها استثنائيا ومخالفا لبقية مواقف المجتمع الدولي، بل ستسعى جاهدة وبكافة الضغوط المشروعة وغير المشروعة لحمل العديد من الدول على تبنى هذا الموقف كما فعلت أثناء مداولات قرار التقسيم حيث مارست الضغوط على العديد من الدول المعارضة آنذاك للقرار لتغيير موقفها، أو كما أيدت وعد بلفور وكما سارعت بالاعتراف بإسرائيل.

