"حاصر حصارك لا مفرُّ … اضرب عدوك لا مفرُّ
سقَطَت ذراعُك فالتقطها …وسقطْتُ قربَك فالتقِطْني
واضرب عدوّك بي
فأنت الآن.. حرٌّ.. وحرٌّ.. وحرٌّ"
***
في سهول غزة المكشوفة للموت والرصاص، المحاصرة بالأسلاك الشائكة، المزروعة بالبنادق الغادرة، يزحف إبراهيم ثريا بلا قدمين، يتقدم رشيقا جميلا "كغزال يبشر بزلزال"...فحين يتجاوز القلب المستحيل... لا تعود هناك حاجة لقدمين لكي يقاوم...
إبراهيم ثريا... بطلٌ فلسطيني غزّيٌّ من هذا الزمان، حصدت الطائرات الإسرائيلية ساقيه في عام 2008، فاتكأ على قلبه وإرادته وواصل الحياة والمقاومة...
ينهض صباحا... يقبل يد أمه ويمضي على كرسيه المتحرك لينظف زجاج السيارات الباذخة المارة على شوارع غزة، وحين يجد الجد وتجوس ضباع الاحتلال حدود غزة، أو حين تنادي القدس : من لي في هذا الزمن الأغبر... !؟
حينها تختفي السيارات الباذخة... فيما يتقدم إبراهيم، يترك كرسيه ويزحف بإصرار وعناد وجبروت، يمضي نحو دائرة الاشتباك، يمضي في حقل من الرصاص والقنابل والغاز والأشواك، فيبدو حينها المشهد هائلا في رمزيته ومضمونه... يرفع إبراهيم علما فلسطينيا ويهتف: أنا يا قدس هنا... سآتيك زحفا أو على جناح غيمة، سأتعربش خيط مطر، يرفع يده، لكي تراه القدس من الأفق الشمالي، وكأنه يقول لها: لست وحدك .. نحن هنا.
في ذلك اليوم الغاضب كان: خطباء ونداؤون وندابون وبكاؤون ورؤساء ووزراء وشيوخ وأمراء وسماسرة وسياسيون وإعلاميون ومثقفون، بكامل أطرافهم يغرقون في خطابات وكلمات لا تقول شيئا...
في ذات اللحظة كان ابراهيم يقترب زاحفا بقلبه وإرادته من خط النار... والقدس.
حينها بدا المشهد غريباً، سيريالياً، ومضحكاً... كانت المفارقة مدهشة والمسافة شاسعة ما بين غزال فلسطيني رشيق بلا ساقين يتقدم بثبات نحو خط الاشتباك الواضح وبين الوجوه الباهتة بكامل سيقانها وهي تلوك لغة بائسة لا معنى لها...
إنها ذات المسافة ما بين إبراهيم ثريا الصاعد بلا ساقين إلى ذروة فلسطين وبين من ينحدرون بكامل أطرافهم نحو اللاشئ... هي المسافة ما بين قلب يقاوم ولو بلا قدمين ، وبين أقدام لا تملك قلوبا تقودها.
في تلك المسافة الفاصلة ما بين القدس ونقيضها، ما بين غزة ونقيضها، ما بين فلسطين ونقيضها... بدا إبراهيم الزاحف على الأرض الفلسطينية هو الكامل وهم المقعدون... هو الباسل لا غيره وهم الخائفون، هو العارفُ الواضح الواثق وهم ضائعون مرتبكون وملتبسون، هو حقيقة الأرض وهُم وهْمُ الكلام ووهم السلام.
في ذلك اليوم.. انتهت المناشدات والتهديدات والشجب وعاد الجميع كما ذهب...
أما إبراهيم ثريا فقد عاد..... عاد مستشهدا... فبكته القدس دمعتين ووردة ولم تنزوي في ثياب الحداد!.
لقد قيل: بأنه صعد ليستعيد قدميه ويعود...!

