قبل ثلاثة أسابيع، قام جيش الاحتلال بتدمير نفق هجوم تابع ل حركة حماس بالقرب من حدود غزة، ولم ينجح في ذلك إلا بعد شهر واحد من نفق الجهاد الإسلامي. ريتشموند باراك الباحث في معهد المجالات المتعددة في هرتسليا علق على الأمر في كتاب جديد سيصدر له قريبا بأن لاشيء جديد يجري فعليا، وقال إن الجيش يقول أن لاشيء جديد بدلا من أن يعلن إغلاق القضية، في إشارة إلى عجز الاحتلال عن حسم مسألة الأنفاق.
هذا النص يستند على مراجعات عبرية مسبقة لكتاب سيصدر قريبا لريشموند باراك بعنوان "الحرب تحت الأرض" ، يخوض فيه عميقا حسب هذه المراجعات في الآثار الاستراتيجية والتكتيكية لأنفاق القتال الحديثة بالإضافة إلى الاعتبارات القانونية المعنية.
ويدور النقاش حول سؤال مهم جدا للجيش الصهيوني وللأوساط السياسية ومفاده حول ما إذا كانت النجاحات التكتيكية الأخيرة للجيش الصهيوني ودمج عملياته تحت وفوق الجدار على طول حدود غزة والتي من المقرر أن تنتهي عام 2019 بتكلفة 4 مليارات شيكل، يكفي للقول أنه نجح في المهمة ولكن لعبة الشطرنج تحت الأرض لن تلبث حتى تبدأ كما يقول الباحث الصهيوني.
يقدم الكتاب أيضا مسحا شاملا لكيفية استخدام الأنفاق في الحرب على مر التاريخ والطرق التي لاتعد ولاتحصى ويتناول الكتاب تهديدات الأنفاق المتنوعة عالميا خارج السياق "الإسرائيلي". ومن الواضح في السياق "الإسرائيلي" أن التركيز على حماس وحزب الله.
يشير الكتاب أن حماس لم تتخطى ما وصفته تحذير رئيس الأركان السابق بيني غانتز من استخدام الأنفاق لوضع "ألغام تحت روضة أطفال وتفجيرها" ، طبعا التحليل الصهيوني يتجاهل أن المقاومة الفلسطينية لايمكن أن تفعل هذا أبدا بدون الالتفات لتصريح القائد الصهيوني، ولكن الكتاب يذكر كيف تمكن البريطانيون من قتل 10 آلاف جندي ألماني في ضربة واحدة مع مثل هذا الهجوم عبر نفق المتفجرات في عام 1917 وهذا يعني أن تحذير غانتز الذي يعيد باراك وضعه في سياق آخر ما زال قائما. يشرح الكتاب أيضا رحلة الجيش الصهيوني في العثور على تكتيكات مكافحة الأنفاق وما هي التكتيكات التي تعمل الآن وما السبب في ذلك.
يقول باراك أن الأمر استغرق عدة سنوات حتى تمكن الجيش من التوصل إلى حلول بعد هزيمة نفق حرب عام 2014. لماذا؟ يقول ريتشموند باراك "كان من الممكن جدا أن جزءا من التأخير كان من الخيارات التي لا نهاية لها. لقد تقدم الكثير من الناس بحل "الحل"، وربما كان هناك نقص في الفهم بأنه لا يمكن لأحد أن يقدم حلا واحدا للمشكلة". ويضيف "عندما تحتاج إلى تقييم خيارات متعددة، قد تأخذ وقتك لمعرفة ما يستحق الاستثمار فيه، وخصوصا عندما قد تواجه تحديات مختلفة".
لم ينشر الجيش االصهيوني سوى جزء ضئيل من طرقه المتبعة لمكافحة الأنفاق، رغم نشر قصص دعائية عن الروبوتات والكلاب التي تدخل مع كاميرات ووسائل تحسس وتساعد على رسم خرائط للأنفاق، والتكتيكات المستخدمة لم تنشر إلا بعد أن تم الكشف عن نفق للتدريب تدريبا خاصا.
وقد نشر الجيش الصهيوني كما هو معلوم تفاصيل الجدار قيد الإنشاء على طول الحدود مع قطاع غزة - أنه سيكون 6 أمتار وبعمق عدة عشرات من الأمتار - ويحيط به نظام مصمم لتحديد وقياس الأنفاق باستخدام أجهزة الاستشعار، والبالونات وغيرها من وسائل جمع المعلومات الاستخبارية. وسيتم تركيب بعض أجهزة الاستشعار على أقفاص حديدية كبيرة تحتوي على أنابيب مقاومة للماء. ويعتقد ريتشموند باراك بعض أجهزة الاستشعار مصممة للكشف عن الحركة والضوضاء.
ومع ذلك، يعترف الباحث الصهيوني أن هناك تكتيكات لخداع كل أجهزة الاستشعار تقريبا، وبمعنى أن كل هذا هو درع دفاعي ثابت، أكثر مما هو عليه طريقة استباقية ديناميكية للكشف عن الأنفاق. ويضيف أن حماس وجدت في الماضي طرقا لاختراق جدار تحت الأرض بنته مصر كما يزعم.
ويضيف أن جدار "إسرائيل" وأجهزة استشعاره تقدم هدفا ثابتا قابلا لاستكشاف نقاط ضعفه ، فمثلا يتساءل رئيس مجلس الأمن القومي السابق الجنرال يعقوب ميردور عما إذا كانت حماس قد تلجأ الى حفر أنفاق بعمق أكثر من 30 مترا المفترضة، ولكنه يزعم أن حفرا أعمق سيكون مشكلة بالنسبة لحركة حماس في منطقة غزة، حيث أن المنطقة قريبة من الساحل، وعلى عمق معين، فإن النفق سيغرق بالمياه، ولكن لايوجد جواب حول قدرة حماس على التكيف مع هذه المعضلات، ويضيف أن الجيش يحتاج إلى الاستمرار في تحديث وتكييف تكتيكاته لمكافحة الأنفاق استباقيا وكشف الأنفاق القتالية والهجومية بالذات.
يقدم ريتشموند باراك في كتابه قائمة طويلة من الخيارات التي استخدمت أو يجري استكشافها من قبل هذا البلد أو ذاك لكشف ورصد وتدمير الأنفاق. وهو يزعم أن "إسرائيل" قد لا تستثمر ما يكفي من الموارد لهذا المسعى، وقالت إن خيارات الجيش إما قد لا تستخدم أو لا توفر سوى إجابة محددة هي: المغناطيسية، الحث الكهرومغناطيسي، المقاومة الكهربائية، والتصوير الحراري، وأجهزة استشعار الخطورة. معظم هذه الطرق يمكن أن تسفر عن إجابة كاذبة، وباراك لا يريد أن يوصي بأي خيار واحد لأنه تعتقد أن الإجابة على مكافحة الأنفاق تكمن في استخدام وتوظيف مجموعة من التقنيات والرصد والاستخبارات. ويشير إلى مدى الاختلاف في التضاريس بين مكان تواجد الجيش الصهيوني وحركة حماس في الجنوب حول غزة وبين التضاريس في الشمال على الحدود مع لبنان وحزب الله، ما يضطر الجيش لاستخدام تكتيكات مختلفة جدا في المنطقتين.
من المرجح أن يلجأ الجيش الصهيوني إلى توظيف تكتيكات مختلفة لمكافحة الأنفاق على منها الكشف والرصد، بما في ذلك عملية إيجاد الأنفاق ورسم الخرائط والبقاء على رأس مدخل الأنفاق بعد اكتشاف أجزاء منها، وتشير التقارير إلى تفضيل الرادار المخترق للأرض والأقمار الصناعية للمساعدة في عملية الكشف والرصد وكتدبير دفاعي لمنع حماس من شق أنفاق إلى "الأراضي الإسرائيلية"، المدعومة بالمناطق العازلة للجيش والحواجز السرية.
ويتحدث ريتشموند باراك عن رادار نانوغرام علىجبهة غزة وحماس، "رادار الاختراق الأرضي يمكن وأعتقد أنه قيد الاستخدام ... ربما في الآونة الأخيرة للبحث عن المزيد من الأنفاق"، ويعمل هذا الرادار على "إيجاد الفراغات في باطن الأرض" لمنطقة ما، الفراغات التي يمكن بعد ذلك تفتيشها من قبل الجنود، والروبوتات أو الحيوانات لمعرفة ما إذا كانت أنفاقا".
ويشير دان بلومبرغ من جامعة بن غوريون في بئر السبع لصحيفة جيروزاليم بوست لاستخدام الميكروويف الاستشعاري عن بعد تحت سطح الأرض للكشف عن وجود المياه في التربة الصحراوية من خلال البحث عن نفس أنواع الفراغات.
ولكن هناك حدود للرادار في اختراق الأرض. يمكن أن تعوق فعاليته على عمق معين من النفق، من خلال أنواع مختلفة من التربة، من خلال إجابات كاذبة من رواسب المياه، وحقيقة أن استخدامه هو "مثل البحث عن إبرة في كومة قش" كما يقول، ويضيف أنه لا يمكن استخدام هذه التقنية على التضاريس الشمالية ضد حزب الله.
أسلوب آخر من المراقبة التي يفضلها هؤلاء هو التصوير بالأقمار الصناعية. ويضيف بلومبرغ "إذا كنت تحتفظ بسجلات صور منطقة ما، كيف كانت وتلاحظ لاحقا في صور جديدة زيادة طفيفة في سطح هذا يمكن أن يساعد في طرح الأسئلة"
ينصح ريتشموند باراك في كتابه بتدريب الجنود على التقنيات وقراءة الصور لأن الذكاء البشري يبقى مهما جدا في مجال التضييق والكشف عن الأنفاق، و يذكر الكتاب قائمة تسع تقنيات تم التدريب عليها فعليا في نفق تدريبي في الولايات االمتحدة.
في حرب 2014 أدرك الجيش الصهيوني أن الغارات الجوية كانت فقط ذات فعالية محدودة في تدمير الأنفاق بالإضافة إلى ذلك، لم تقدم أي فرصة للحصول على معلومات استخباراتية من الأنفاق ويزعم الكتاب أن الجيش الصهيوني "الملتزم بالقانون الدولي" لايستخدم تكتيكات استخدمتها دول غير ديمقراطية، مثل الغازات السامة في بعض الأحيان، وقاذفات اللهب أو الفيضانات التي تؤدي إلى تدمير الأنفاق، أوقنابل قوية مع تأخر الصمامات التي تشتعل مع مستويات عالية من الحرارة على مدى فترة من الوقت، مما يسمح لها بتأثير مدمر على نطاق أوسع على المقاتلين داخل نفق أو كهف موجهة بالليزر، وكانت تستخدم من قبل الولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان ضد قوات أسامة بن لادن، ولكنه يعترف أيضا أنها أقل فائدة في أراضي غزة بسبب المناطق الحضرية.
ويضيف الكتاب أن من المعلوم أن "إسرائيل" تستخدم الحفر كجزء من تركيب حاجز تحت الأرض. ولكن الحفر العشوائي وقتا طويلا يتطلب موارد كثيرة جدا ليكون فعالا على المدى الطويل ويبدو أن استراتيجية الجيش تذهب لاستخدام متفجرات سائلة وأخرى ذات فعالية معينة ويمكن لهذه التكتيكات أن تكون فعالة.
ولكن هذه التكتيكات الجديدة لا يعني أن الجيش الصهيوني قد أنهى تهديدات الأنفاق فعلا على أي جبهة، ويضيف الكتاب "كما أننا تكيفنا [أكثر] في السنوات الثلاث الماضية، يجب أن لا نخدع أنفسنا. الجانب الآخر هوأيضا يتكيف. الأنفاق متعددة جدا. يمكنك أن تفعل أشياء كثيرة مع الأنفاق. حتى خلال عملية وقائية ولكن قد تصل حماس إلى استخدامات جديدة للأنفاق لم تكن معروفة من قبل" و "نحن لا نعرف ما يخططون للقيام به".

